315
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثالث
ذكر قتل الحارث سريج وغلبه الكرماني على مرو
قد تقدم ذكر أمان يزيد بن الوليد للحارث بن سريج وعوده من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام وا كان وبين نصر من الاختلاف.
فلما ولي ابن هبيرة العراق كتب إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد فقال الحارث: إنما آمنتني يزيد ولم يؤمني مروان ولا يجيز مروان أمان يزيد فلا أمنه.
فخاف نصرًا.
فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة وإكماع العدو فلم يجبه إلى ما أراد وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر: اجعل الأمر شورى فأبى نصر وأمر الحارث جهم بن صفوان رأس الجهمية وهو مولى راسب أن يقرأ سيرته وما يدعوه إليه على الناس.
فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جماع وأرسل الحارث إلى نصر ليعزل سالم بن أحوز عن شرطته وبغير عماله ويقر الأمر بينهما أن يختاروا رجالًا يسمون لهم قومًا يعملون بكتاب الله فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل ابن حيان واختار الحارث المغيرة بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة وأمر نصر كابه أن يكتب ما يرضي هؤلاء الأربعة من السنن وما يختارونه من العمال فيوليهم ثغر سمر قند وطخارستان وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات الود.
فأرسل إليه نصر: إن كنت تزعم أنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي بعير واحمل من الأموال ماشئت وآلة الحرب وسر فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق ولكن لا يبايعني عليه من صحبني.
فقال نصر: فقد ظهر أنهم ليسوا على رأيك فاذكر الله في عشرين الفا من ربعة واليمن يهلكون فيما بينكم.
وعرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل فقال له نصر: فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك.
فلم يقبل.
ثم تراضيا بأن جكما جهم بن صفوان ومقاتل بن حيان فحكما بأن يعتزل نصر وأن يكون الأمر شورى فلم يقبل نصر.
فخالفه الحارث واتهم نصر قومًا من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث فاعتذروا إليه فقبل عذرهم.
وقدم عليه جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة منهم: عاصم بن عمير الصريمي وأبو الذيال الناجي ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم وأمر الحارث أن تقرأ سيرته في الأسواق والمساجد وعلى باب نصر فقرئت فأتاه حلق كثير وقرأها رجل على باب نصر فضربه غلمان نصر فنابذهم الحارث وتجهزوا للحرب ودل رجل من أهل مرو الحارث على نقب في سورها فمضى الحارث إليه فنقبه ودخل المدينة من ناحية باب بالين فقاتلهم جهم ابن مسعود الناجي فقتل جهم وانهبوا منزل سالم بن أحوز وقتلوا من كان يحرس باب بالين وذلك يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.
وعدل الحارث في سكة السعد فرأى أعين مولى حيان فقاتله وكب سالم حين أصبح وأمر مناديًا فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة.
فلم تطلع الشمس حتى انهزم وقاتلهم الليل كله وأتى سالم عسك الحارث فقتل كاتبه واسمه يزيد بن داوود وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب.
وأرسل نصر إلى الكرماني فأتاه على عهد وعنده جماعة فوقع بين سالم بن أحوز ومقدام بن نعيم كلام فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه فأعان كل واحد منهما نفر من الحاضرين فخاف الكرماني أن يكون مكرًا من نصر فقام وتعلقوا به فلم يجلس وركب فرسه ورجع وقال: أراد نصر الغدر بي.
وأسر يومئذ جهم بن صفوان وكان مع الكرماني فقتل وأرسل الحارث ابنه حاتمًا إلى الكرماني فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك دعهما يضربان.
فلما كان الغد ركب الكرماني إلى باب ميدان يزيد فقاتل أصحاب نصر وأقبل الكرماني إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر بوم الأربعاء فترموا ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد وصلوا إلى الكرماني فأخذ الللواء بيده فقاتل به وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ثمانين فرسًا وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين وسقط سالم بن أحوز فحمل إلى عسكر نصر.
فلما كان بعض.
فلما كان بعض الليل خرج نصر من مرو وقتل عصمة بن عبد الله الأسدي فكان يحمي أصحاب نصر واقتتلوا ثلاثة أيام فانهزم أصحاب الكرماني في آخر يوم وهم الأزدوربيعة فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن قد دخل الحارث السوق وقتل ابن الأقطع! يعني بن سيار ففت في أعضاد المضرية وهم أصحاب نصر فانهزموا وترجل تميم بن نصر فقاتل.
فلما هزمت اليمانية مضرًا أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم وأنا كاف فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني.
فأخذ عليه نصر العهود بذلك.
وقدم على نصر عبد الحكيم بن سعد العودي وأبو جعفر عيسى ابن جرز من مكة فقال نصر لعبد الحكيم العودي وهم بطن من الأزد: أما ترى ما فعل سفهاء قومك فقال: بل سفهاء قومك طالت ولايتها بولايتك وصيرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا وفي ربيعة واليمن علماء وسفهاء فغلب السفهاء العلماء.
فقال أبو جعفر عيس لنصر: أيها الأمير حسبك من الولاية وهذه الأمور فإنه قد أظلك أمر عظيم سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعو إلى دولة تكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون.
فقال نصر: ما أشبه أن يكون كما تقول لقلة الوفاء وسء ذات البين! فقال: إن الحارث مقتول مصلوب وما الكرماني من ذلك ببعيد.
فلما خرج نصر من مروغلب عليها الكرماني وخطب الناس فآمنهم وهدم الدور ونهب واعتزل بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلب العدل فأما إذا أنت مع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث وهؤلاء يقاتلون عصبيةً فلست مقاتلًا معك فنحن الفئة العادلة لا نقاتل إلا من يقاتلنا.
وأتى الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمةً ودخل البلد وأتى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر سورى فأبى الكرماني فانتقل الحارث عنه وأقاموا أيامًا.
ثم إن الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمةً ودخل البلد وأتى الكرماني فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم فانهزم الحارث وقتلوا مابين اثلمة وعسكرهم والحارث على بغل فانزل عنه وركب فرسًا وبقي في مائة فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء وقتل أخوه سوادة وغيرهما.
وقيل: كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز الذي ذكرنا اعتزاله ومعه الحارث بن سريج فأقام الكرماني أيامًا بينه وبين عسكر بشر فرسخان ثم قرب منه ليقاتله فندم الحارث على اتباع الكرماني وقال: لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردهم عليك.
فخرج في عشرةفوارس فاتى عسكر بشر فأقام معهم وخرج المضرية أصحاب الحارثمن عسكر الكرماني إليه فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث من عسكر الكرماني إليه فلم يبق مع الكرماني مضري غي سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث إلا غادرًا.
وغير المهلب بن إياس فإنه قال: لم أر الحارث قط إلا في خيل تطرد فقاتلهم الكرماني مرارًا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء.
ثم إن الحارث ارتحل بعد أيام فنقب سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني فدخلها أيضًا فقالت المضرية للحارث: تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرة فترجل.
فقال: أنا لكم فارسًا خير مني لكم راجلًا.
فقالوا: لا نرضى إلا أن تترجل وترجل فاقتتلوا هم والكرماني فقتل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدة من فرسان تميم وانهزم الباقون وصفت مرو لليمن هدموا دور المضرية فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل شعر.
يا مدخل الذل على قومه بعدًا وسحقًا لك من هالك شؤمك أردى مضرًا كلها وحز من قومك بالحارك ما كانت الأزد وأشياعها تطمع في عمرو ولا مالك ولا بني سعدٍ إذا ألجموا كل طمر لونه حالك عمرو ومالك وسعد بطون من تميم.
وقيلك بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة وقالت أم كثير الضبية شعر: لابارك الله في أنثى وعذبها تزوجت مضريًا آخر الدهر إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم حتى تعبدوا رجال الأزد في الظهر إني استحيت لكم من بعد طاعتكم هذا المزوني يجبيكم على قهر ذكر شيعة بني العباس وفي هذه السنة وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم إلى خراسان وعمره تسع عشرة سنة وكتب إلى أصحابه: غني قد أمرته بأمري فاسمعوا له وأطيعوا فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك.
فأتاهم فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم فأعلمه أبو سملم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره.
فقال إبراهيم قد عرضت هذا الأمر على غير واحد وأبوه علي.
وكان قد عرضه على سليمان بن كثير فقال: لا ألي على اثنين أبدًا.
ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه على أبي مسلم وأمرهم بالسمع والطاعة له ثم قال له: إنك رجل منا أهل البيت احفظ وصيتي انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم فاتهم ربيعة في أمرهم وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار واقتل من شككت فيه وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بلعربية فافعل وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله ولا تخالف هذا الشيخ يعني سليمان بن كثير ولا تعصه وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني.
وسيرد من خبر أبي مسلم غير هذا إن شاء الله تعالى.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق