328
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع
ذكر غارات البجاة بمصر
وفيها أغارت البجاة على أرض مصر وكانت قبل ذلك لا تغور بلاد الإسلام لهدنة قديمة
وقد ذكرناها فيما مضى وفي بلادهم معادن يقاسمون المسلمين عليها ويؤدون إلى عمال مصر نحوالخمس.
فلما كانت أيام المتوكل امتنعت عن أداء ذلك فكتب صاحب البريد بمصر بخبرهم وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن فهرب المسلمون منها خوفًا على أنفسهم فأنكر المتوكل ذلك فشاور في أمرهم فذكرله أنهم أهل بادية أصحاب إبل وماشية وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها مفاوز وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة وأن كل من يدخلها من الجيوش يحتاج إلى أن يتزود لمدة يتوهم أنه يقيمها إلى أن يخرج إلى بلاد الإسلام فإن جاوز تلك المدة هلك وأخذتهم البجاة باليد وأن أرضهم لا ترد على سلطان شيئًا.
فأمسك المتوكل عنهم فطمعوا وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد على أنفسهم منهم فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم وولاه معونة تلك الكور وهي قفط والأقصر وأسنا وأرمنت وأسوان وأمره بمحاربة البجاة وكتب إلى عبسنة بن إسحاق الضبي عامل حرب مصر بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل ذلك.
وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه ممن يعمل في المعادن والمتطوعة عالم كثير فبلغت عدتهم نحوًا من عشرين ألفًا بين فارس وراجل ووجه إلى القلزم فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل البحر مما يلي بلاد البجاة وسار حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب وسار إلى حصونهم وقلاعهم وخرج إليه ملكهم واسمه علي بابا في جيش كثير أضعاف من مع القمي فكانت البجاة على الإبل وهي إبل فرة تشبه المهاري فتحاربوا أياما ولم يصدقهم علي بابا القتال لتطول الأيام وتفنى أزواد المسلمين وعلوفاتهم فيأخذهم بغير حرب فأقبلت تلك المراكب التي فيها الأقوات في البحر ففرق القمي ما كان فيها في أصحابه فامتنعوا فيها.
فلما رأى علي بابا ذلك صدقهم القتال وجمع لهم فالتقوا قتالًا شديدا وكانت إبلهم ذعرة تنفر من كل شيء فلما رأى القمي ذلك جمع كل جرس في عسكره وجعلها في أعناق خيله ثم حملوا على البجاة فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس فحملتهم على الجبال والأودية وتبعهم المسلمون قتلًا وأسرا حتى أدركهم الليل وذلك أول سنة إحدى وأربعين ومائتين ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم.
ثم إن ملكهم علي بابا طلب الأمان فأمنه على أن يرد مملكته وبلاده فأدى إليهم الخراج للمدة التي كان منعها وهي أربع سنين وسار مع القمي إلى المتوكل واستخلف على مملكته ابنه بغش فلما وصل إلى المتوكل خلع عليه وعلى أصحابه وكسا جمله رحلًا كليحًا وجلال ديباج
وولى المتوكل البجاة طريق مصر ما بين مصر ومكة سعدًا الخادم الإيتاخي فولى الإيتاخي محمدًا القمي فرجع إليها ومعه علي بابا وهوعلى دينه وكان معه صمن من حجارة كهيئة الصبي يسجد له.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق