305
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثالث
ذكر ظهور عبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر
وفي هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة ودعا إلى نفسه.
وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز إلى الكوفة فأكرمه وأجازه وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد وبعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فلما بلغ خبر بيعتهما عبد الله بن عمر بالكوفة بايع الناس وزاد في العطاء وكتب بيعتهما إلى الآفاق فجاءته البيعة ثم بلغه امناع مروان بن محمد من البيعة ومسيره إليهما إلى الشام فحبس عبد الله بن معاوية عنده وزاده فيما كان يجري عليه وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له وقاتل به مروان فماج الناس.
وورد مروان الشام بإبراهيم فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة مسرعًا وافتعل كتابًا على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة وجمع الميانية وأعلمهم ذلك فأحابوه وامتنع بعبد الله بن عمر عليه وقاتله.
فلما رأى الأمر كذلك خاف أن يظهر أمره فيفتضح وقتل فقال لأصحابه: إني أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم فكفوا.
وظهر أمر إبراهيم وهربه ووقعت العصبية بين الناس وكان سبببها أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا كثيرة ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي وعثمان بن الخببيري من تميم اللات بن ثعلبة شيئًا وهما من ربيعة فكانا مغضب لهما ثمامة بن حوشب بن رويم السيباني وخرجوا من عند عبد الله بن عمرو هو بالحيرة إلى الكوفة فنادوا: ياآل ربيعة! فاجتمعت ربيعة وتنمروا.
وبلغ الخبر عبد الله بن عمر لإأرسل إليهم أخاه عاصمًا فأتاهم وهم بدير هند فألقى نفسه بينهم وقال: هذه يدي لكم فاحكموا.
فاستحيوا ورجعوا وعظموا عاصمًا وشكروه فلما كان المساء أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثرى بمائة ألف فقسمها في قومه بين همام بن مرة بن ذهل السيباني وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف قسمها في قومه وارسل إلى جعفر بن نافع بمال وإلى عثمان الخبيري بمال.
فلما رأت الشيعة ضعف عبد الله بن عمر طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية واجتمعوا في المسجد وقاروا واتوا عبد الله بن معاوية وأخرجوه من داره وأدخلوه القصر ومنعوا عاصم بن عمر بن الغضبان ومنصور ابن جمهور وإسماعيل بن عد الله القسري أخو خالد وأقام أيامًا يبايعه الناس وأتته البيعة من المدائن وفم النيل واجتمع إليه الناس فخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة فقيل لابن عمر: قد أقبل ابن معاوية في الخلق فأكرق مليًا وأناه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام فأمره بإحضاره فأحضره فأكل هو ومن معه وهو غير مكترث والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية وفرغ من طعامه وأخرج المال ففرقه في قواده ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه كان اسمه إما ميمونًا وغما رياحًا أو فتحًا أو اسما يتبرك به فأعطاه اللواء وقال له: امض به إلى موضع كذا فاركزه وادع أصحابك وأقم حتى أتيك.
ففعل.
وخرج عبد الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية فأمر ابن عمر مناديًا فنادى: من جاء برأس فله خمسائة.
فأتي برؤوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن وبز رجل من أهل السام فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلي فسأله الشامي فعرفه فقال: قد ظننت أنه لا يخرج إلي رجل من بكر بن وائل والله ما أريد قتالك ولكن أحببت أن ألقي إليك حديثًا أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما إلا وقد كاتب ابن عمر وكاتبه مضر وما أرى لكم باربيعة كتابًا ولا رسولًا وأنا رحجل من قيس فإن أردتم الكتاب ألغته ونحن غدًا بإزائكم فإنهم اليوم لا يقاتلونكم.
فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبره عمر بن الغضبان فأشار عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما فلم يفعل.
وأصبح الناس من الغد غادين على القتال فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة فانهزم أصحاب ابن معاوية إلى الكوفة وابن معاوية معهم فدخلوا القصر وبقي من بالميسرة من ربيعة ومضر ومن بازائهم من أصحاب ابن عمر فقال لعمر بن الغضبان: ما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بكم فانصرفوا.
فقال ابن الغضبان: لا أبرح حتى أقتل.
فأخذ أصحابه بعنان درابته فأدخلوه الكوفة فما أمسوا قال لهم ابن معاوية: يا معشر ربيعة قد رأيتم ما صنع الناس بنا وقد أعلقنا دماءنا في أعناقكم فإن قاتلتم قتالنا معكم وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم فخذوا لنا ولكم أمانًا فقال له عمر بن الغضبان: ما نقاتل معكم وما نأخذ لكم أمانًا كما نأخذ لأنفسنا.
فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أيامًا.
ثم إن ربيعة أخذت أمانًا لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية ليذهبوا حيث شاؤوا وسار ابن معاوية من الكوفة فنزل المدائن فأتاه قوم من أهل الكوفة فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان وأصبهان والري وخرج إليه عبيد أهل الكوفة.
وكان شاعرًا مجيدًا فمن قوله: ولا تركبن الصنيع الذي تلوم أخاك على مثله ولا يعجبنك قول امرئ يخالف مكا قال في فعله
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق