280
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع
ذكر عدة حوادث
ذكر شيء من سيرة عبد الله بن طاهر
لما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري فبنى دارا وخرج بحائطها في الطريق فلما قدمها عبد الله جمع الناس وسألهم عن سيرة محمد فسكتوا فقال بعض الحاضرين: سكوتهم يدل على سوء سيرته فعزله عنهم وأمره بهدم ما بنى في الطريق.
وكان يقول: ينبغي أن يبذل العلم لأهله وغير أهله فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله.
وكان يقول: سمن الكيس ونيل الذكر لا يجتمعان أبدا.
وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن منصور فاستحضرهم يوما فحضروا وتأخر الفضل ثم حضر فقال له: أبطأت عني فقال: كان عندي أصحاب حوائج وأردت دخول الحمام فأمره عبد الله بدخول حمامه وأحضر عبد الله الرقاع التي في حقه فوقع فيها كلها بالإجابة وأعادها ولم يعلم الفضل.
وخرج من الحمام واشتغلوا يومهم وبكر أصحاب رقاع إليه فاعتذر إليهم فقال بعضهم: أريد رقعتي فأخرجها ونظر فيها فرأى خط عبد الله فيها فنظر في الجميع فرأى خطه فيها فقال لأصحابه: خذوا رقاعكم فقد قضيت حاجاتكم واشكروا الأمير دوني فما كان لي فيها سبب.
وكان عبد الله أديبا شاعرا فمن شعره: فإذا أسقطت منه فاءه كان نعتا لهواه المختزن فإذا أسقطت منه ياءه صار فيه بعض أسباب الفتن فإذا أسقطت منه راءه صار شيئًا يعتري عند الوسن فإذا أسقطت منه طاءه صار منه عيش سكان المدين فسروا هذا فلن يعرفه غير من يسبح في بحر الفطن وهذا الاسم هواسم طريف غلامه.
وكان من أكثر الناس بذلًا للمال مع علم ومعرفة وتجربة واكثر الشعراء في مراثيه فمن أحسن ما قيل فيه في ولاية أبيه طاهر قول أبي الغمر الطبري: فأيامك الأعياد صارت مآتمًا وساعاتك الغضبات صارت خواشعا على أننا لم نفتقدك بطاهر وإن كان خطبًا يقلق القلب راتعًا وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت على إثرها بدرًا على الناس طالعًا وما كنت إلا الطود زال مكانه وأثبت في مثواه ركنًا مدافعًا فلولا التقى قلنا تناسختما معًا بديعي معان يفضلان البدائعا في هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين عند أشبونة فأقاموا ثلاثة عشر يوما بينهم وبين المسلمين بها وقائع ثم ساروا إلى قادس ثم إلى شدونة فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع.
ثم ساروا إلى إشبيلية ثامن المحرم فنزلوا على اثني عشر فرسخًا منها فخرج إليهم كثير من المسلمين فالتقوا فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم وقتل كثير منهم ثم نزلوا على ميلين من إشبيلية فخرج أهلها إليهم وقاتلوهم فانهزم المسلمون رابع عشر المحرم وكثر القتل والأسر فيهم ولم ترفع المجوس السيف عن أحد ولا عن دابة ودخلوا حاجز إشبيلية وأقاموا به يومًا وليلة وعادوا إلى مراكبهم.
وأقام عسكر عبد الرحمن صاحب البلاد مع عدة من القواد فتبادر إليهم المجوس فثبت المسلمون وقاتلوهم فقتل من المشركين سبعون رجلًا وانهزموا حتى دخلوا مراكبهم وأحجم المسلمون عنهم فسمع عبد الرحمن فسير جيشًا آخر غيرهم فقاتلوا المجوس قتالًا شديدا فرجع المجوس عنهم فتبعهم العسكر ثاني ربيع الأول وقاتلوهم وأتاهم المدد من كل ناحية ونهضوا لقتال المجوس من كل جانب فخرج إليهم المجوس وقاتلوهم فكاد المسلمون ينهزمون ثم ثبتوا فترجل كثير منهم فانهزم المجوس وقتل نحوخمس مائة رجل وأخذوا منهم أربعة مراكب ثم خرج المجوس إلى لبلة فأصابوا سبيًا ثم نزل المجوس إلى جزيرة قريب قوريس فنزلوهان وقسموا ما كان معهم من الغنيمة فحمي المسلمون ودخلوا إليهم في النهر فقتلوا من المجوس رجلين ثم رحل المجوس فطرقوا شدونة فغمنوا طعمة وسبيا وأقاموا يومين.
ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن صاحب الأندلس إلى إشبيلية فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة فأغاروا وسبوا ثم لحقوا بأكشونية.
ثم مضوا إلى باجة ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة ثم ساروا فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس.
وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست وأربعين خروج المجوس إلى إشبيلية أيضا وهي شبيهة بهذه ثم فلا أعلمه أهي هذه وقد اختلفوا في وقتها أم هي غيرها وما أقرب أن تكون هي هي وقد ذكرتها هناك لان في كل واحدة منهما شيئا ليس في الأخرى.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق