إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 21 يونيو 2016

670 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الخامس ذكر تفرق ممالك الأندلس


670

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الخامس

ذكر تفرق ممالك الأندلس

ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء فتغلب كل إنسان على شيء منه فصاروا مثل ملوك الطوائف وكان ذلك أضر شيء على المسلمين فطمع بسببه العدو الكافر خذله الله فيهم ولم يكن لهم اجتمع إلى أن ملكه أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين على ما نذكره إن شاء الله‏.‏

فأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور المقدم ذكره وكان من وزراء الدولة العامرية قديم الرئاسة موصوفًا بالدهاء والعقل ولم يدخل في شيء من الفتن قبل هذا بل كان يتصاون عنها‏.‏

فلما خلا له الجو وأمكنته الفرصة وثب عليها فتولى أمرها وقام بحمايتها ولم يتنقل إلى رتبة الإمارة ظاهرًا بل دبرها تدبيرًا لم يسبق إليه وأظهر أنه حامٍ للبلد إلى أن يجيء من يستحقه ويتفق عليه الناس فيسلمه إليه‏.‏

ورتب البوابين والحشم على أبواب قصور الإمارة ولم يتحول هو عن داره إليها وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجالٍ رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم وصير أهل الأسواق جندًا وجعل أرزاقهم ربح أموال تكون بأيديهم دينًا عليهم فيكون الربح لهم ورأس المال باقيًا عليهم وكان يتعهدهم في الأوقات المتفرقة لينظر كيف حفظهم لها وفرق السلاح عليهم فكان أحدهم لا يفارقه سلاحه حتى يعجل حضوره إن احتاج إليه‏.‏

وكان جهور يشهد الجنائز ويعود المرضى ويحضر الأفراح على طريقة الصالحين وهو مع ذلك يدبر الأمر تدبير الملوك وكان مأمون الجانب وأمن الناس في أيامه وبقي كذلك إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وقام بأمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير إلى أن مات فغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون صاحب طليطلة فدبرها إلى أن مات بها‏.‏

وأما إشبيلية فاستولى عليها القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي وهو من ولد النعمان بن المنذر وقد ذكرنا سبب ذلك في دولة يحيى بن علي بن حمود قبل هذا‏.‏

وفي هذا الوقت ظهر أمر المؤيد هشام ابن الحاكم وكان قد اختفى وانقطع خبره وكان ظهوره بمالقة ثم سار منها إلى المرية فخافه صاحبها زهير العامري فأخرجه منها فقصد قلعة رباح فأطاعه أهلها فسار إليهم صاحبه إسماعيل بن ذي النون وحاربهم فضعفوا عن مقاومته فأخرجوه فاستدعاه القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد إليه بإشبيلية وأذاع أمره وقام بنصره وكان رؤساء الأندلس في طاعته فأجابه إلى ذلك صاحب بلنسية ونواحيها وصاحب قرطبة وصاحب دانية والجزائر وصاحب طرطوشة وأقروا بخلافته وخطبوا له وجددت بيعته بقرطبة في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة‏.‏

ثم إن ابن عباد سير جيشًا إلى زهير العامري لأنه لم يخطب للمؤيد فاستنجد زهير حبوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرناطة فسار إليه بجيشه فعادت عساكر ابن عباد ولم يكن بين العسكرين قتال وأقام زهير في بياسة وعاد حبوس إلى مالقة فمات في رمضان من هذه السنة وولي بعده ابنه باديس واجتمع هو وزهير ليتفقا كما كان زهير وحبوس فلم تستقر بينهما قاعدة واقتتلا فقتل زهير وجمع كثير من أصحابه أواخر سنة تسع وعشرين‏.‏

ثم في سنة إحدى وثلاثين التقى عسكر ابن عباد وعليهم ابنه إسماعيل مع باديس بن حبوس وعسكر إدريس العلوي على ما ذكرناه عند أخبار العلويين فيما تقدم إلا أنهم اقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل إسماعيل ثم مات بعده أبوه القاضي أبو القاسم سنة ثلاث وثلاثين وولي بعده ابنه أبو عمرو عباد بن محمد ولقب بالمعتضد بالله فضبط ما ولي وأظهر موت المؤيد‏.‏

هذا قول ابن أبي الفياض في المؤيد وقال غيره إن المؤيد لم يظهر خبره منذ عدو من قرطبة عند دخول علي بن حمود إليها وقتله سليمان وإنما كان هذا من تمويهات ابن عباد وحيله ومكره وأعجب من اختفاء حال المؤيد ثم تصديق الناس ابن عباد فيما أخبر به من حياته أن إنسانًا حضريًا ظهر بعد موت المؤيد بعشرين سنة وادعى أنه المؤيد فبويع بالخلافة وخطب له على منابر جميع بلاد الأندلس في أوقات متفرقة وسفكت الدماء بسببه واجتمعت العساكر في أمره‏.‏

ولما أظهر ابن عباد موت هشام المؤيد واستقل بأمر إشبيلية وما انضاف إليها بقي كذلك إن أن مات من ذبحة لحقته لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وأربعمائة وولي بعده ابنه أبو القاسم محمد بن عباد ابن القاضي أبي القاسم ولقب بالمعتمد على الله فاتسع ملكه وشمخ سلطانه وملك كثيرًا من الأندلس وملك قرطبة أيضًا وولى عليها ابنه الظافر بالله فبلغ خبر ملكه لها إلى يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة فحسده عليها فضمن له جرير بن عكاشة أن يجعل ملكها له وسار إلى قرطبة وأقام بها يسعى في ذلك وهو ينتهز الفرصة‏.‏

فاتفق أن في بعض الليالي جاء مطر عظيم ومعه ريح شديدة ورعد وبرق فثار جرير فيمن معه ووصل إلى قصر الإمارة فلم يجد من يمانعه فدخل صاحب الباب إلى الظافر وأعلمه فخرج بمن معه من العبيد والحرس وكان صغير السن وحمل عليهم ودفعهم عن الباب ثم إنه عثر في بعض كراته فسقط فوثب بعض من يقاتله وقتله ولم يبلغ الخبر إلى الأجناد وأهل البلد إلا والقصر قد ملك وتلاحق بجرير أصحابه وأشياعه وترك الظافر ملقىً على الأرض عريانًا فمر عليه بعض أهل قرطبة فأبصره على تلك الحال فنزع رداءه وألقاه عليه وكان أبوه إذا ذكره يتمثل‏:‏ ولم أدر من ألقى عليه رداءه على أنّه قد سلّ عن ماجدٍ محض ولم يزل المعتمد يسعى في أخذها حتى عاد ملكها وترك ولده المأمون فيها فأقام بها حتى أخذها جيش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وقتل فيها بعد حروب كثيرة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى سنة أربع وثمانين‏.‏

وأخذت إشبيلية من أبيه المعتمد في السنة المذكورة وبقي محبوسًا في اغمات إلى أن مات بها رحمه الله وكان هو وأولاده جميعهم الرشيد والمأمون والراضي والمعتمد وأبوه وجده علماء فضلاء شعراء‏.‏

وأما بطليوس فقام بها سابور الفتى العامري وتلقب بالمنصور ثم انتقلت بعده إلى أبي بكر محمد بن عبدالله بن سلمة المعروف بابن الأفطس أصلحه من بربر مكناسة لكنه ولد أبوه بالأندلس ونشأوا بها وتخلقوا تخلق أهلها وانتسبوا إلى تجيب وشاكلهم الملك فلما توفي صارت بعده إلى ابنه أبي محمد عمر بن محمد واتسع ملكه إلى أقصى المغرب وقتل صبرًا مع ولدين له عند تغلب أمير المسلمين على الأندلس‏.‏

وأما طليطلة فقام بأمرها ابن يعيش فلم تطل مدته وصارت رئاسته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون ولقبه الظافر بحول الله وأصله من البربر وولد بالأندلس وتأدب بآداب أهلها وكان مولد إسماعيل سنة تسعين وثلاثمائة وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وكان عالمًا بالأدب وله شعر جيد وصنف كتابًا في الآداب والأخبار‏.‏

وولي بعده ابنه يحيى فاشتغل بالخلاعة والمجون وأكثر مهاداة الفرنج ومصانعتهم ليتلذذ باللعب وامتدت يده إلى أموال الرعية ولم تزل الفرنج تأخذ حصونه شيئًا بعد شيء حتى أخذت طليطلة في سنة سبع وسبعين وأربعمائة وصار هو ببلنسية وأقام بها إلى أن قتله القاضي ابن جحاف الأحنف وفيه يقول الرئيس أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر‏:‏ أيّها الأحنف مهلًا فلقد جئت عويصا إذ قتلت الملك يحيى وتقمّصت القميصا ربّ يومٍ فيه تجري إن تجد فيه محيصا وأما سرقسطة والثغر الأعلى فكان بيد منذر بن يحيى التجيبي ثم توفي وولي بعده ابنه يحيى ثم صارت بعده لسليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي وكان يلقب بالمستعين بالله وكان من قواد منذر على مدينة لاردة وله وقعة مشهورة بالفرنج بطليطلة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة‏.‏

ثم توفي وولي بعده ابنه المقتدر بالله وولي بعده ابنه يوسف بن أحمد المؤتمن ثم ولي بعده ابنه أحمد المستعين بالله على لقب جده ثم ولي بعده ابنه عبد الملك عماد الدولة ثم ولي بعده ابنه المستنصر بالله وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمس مائة فصارت بلادهم جميعًا لابن تاشفين‏.‏

ورأيت بعض أولادهم بدمشق سنة تسعين وخمسمائة وهو فقير جدًا وهو قيم الربوة فسبحان من لا يزول ولا تغيره الدهور‏.‏

وأما طرطوشة فوليها لبيب الفتى العامري‏.‏

وأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن المنصور بن أبي عامر المعافري‏.‏

ثم انضاف إليه المرية وما كان إليها وبعده ابنه محمد ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن إسماعيل بن ذي النون وأخذ منه رئاسة بلنسية في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة فانتزح إلى المرية وأقام بها إلى أن خلع على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

وأما السهلة فملكها عبود بن رزين وأصله بربري ومولده بالأندلس فلما هلك ولي بعده ابنه عبد الملك وكان أديبًا شاعرًا ثم ولي بعده ابنه عز الدولة ومنه ملكها الملثمون‏.‏

وأما دانية والجزائر فكانت بيد الموفق أبي الحسن مجاهد العامري وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد عبدالله المعيطي ومعه خلق كثير فأقامه مجاهد شبه خليفة يصدر عنه رأيه وبايعه في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعمائة فأقام المعيطي بدانية مع مجاهد ومن انضم إليه نحو خمسة أشهر ثم سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر التي في البحر وهي ميورقة بالياء ومنورقة بالنون ويابسة‏.‏

ثم بعث المعيطي بعد ذلك مجاهدًا إلى سردانية في مائة وعشرين مركبًا بين كبير وصغير ومعه ألف فارس ففتحها في ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة وقتل بها خلقًا كثيرًا من النصارى وسبى مثلهم فسار إليه الفرنج والروم من البر في آخر هذه السنة فأخرجوه منها ورجع إلى الأندلس والمعيطي قد توفي فغاص مجاهد في تلك الفتن إلى أن توفي وولي بعده ابنه علي بن مجاهد وكانا جميعًا من أهل العلم والمحبة لأهله والإحسان إليهم وجلباهم من أقاصي البلاد وأدانيها ثم مات ابنه عليٌ فولي بعده ابنه أبو عامر ولم يكن مثل أبيه وجده‏.‏

ثم إن دانية وسائر بلاد بني مجاهد صارت إلى المقتدر بالله أحمد بن سليمان بن هود في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة‏.‏

وأما مرسية فوليها بنو طاهر واستقامت رئاستها لأبي عبد الرحمن منهم المدعو بالرئيس ودامت رئاسته إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد على يد وزيره أبي بكر بن عمار المهري فلما ملكها عصى على المعتمد فيها فوجه إليه عسكرًا مقدمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق القشيري فحصروه وضيقوا عليه حتى هرب منها فلما دخلها القشيري عصى فيها أيضًا على المعتمد إلى أن دخل في طاعة الملثمين وبقي أبو عبد الرحمن بن طاهر بمدينة بلنسية إلى أن مات بها سنة سبع وخمسمائة ودفن بمرسية وقد نيف على تسعين سنة‏.‏

وأما المرية فملكها خيران العامري وتوفي كما ذكرنا ووليها بعده زهير العامري واتسع ملكه إلى شاطبة إلى ما يجاور عمل طليطلة ودام إلى أن قتل كما تقدم وصارت مملكته إلى المنصور أبي الحسن عبد العزيز ابن عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر فولي بعده ابنه محمد فلما توفي عبد العزيز ببلنسية أقام ابنه محمد بالمرية وهو يدبر بلنسية فانتهز الفرصة فيها المأمون يحيى بن ذي النون وأخذها منه وبقي بالمرية إلى أن أخذها منه صهره ذو الوزارتين أبو الأحوص المعتصم معن بن صمادح التجيبي ودانت له لورقة وبياسة وجيان وغيرها إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين وولي بعده ابنه أبو يحيى محمد بن معن وهو ابن أربع عشرة سنة فكفله عوه أبو عتبة بن محمد إلى أن توفي سنة ست وأربعين فبقي أبو يحيى مستضعفًا لصغره وأخذت بلاده البعيدة عنه ولم يبق له غير المرية وما يجاورها‏.‏

فلما كبر أخذ نفسه بالعلوم ومكارم الأخلاق فامتد صيته واشتهر ذكره وعظم سلطانه والتحق بأكابر الملوك ودام بها إلى أن نازله جيش الملثمين فمرض في أثناء ذلك وكان القتال تحت قصره فسمع يومًا صياحًا وجلبة فقال‏:‏ نغص علينا كل شيء حتى الموت‏!‏ وتوفي في مرضه ذلك لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة ودخل أولاده وأهله البحر في مركب إلى بجاية قاعدة مملكة بني حماد من إفريقية وملك الملثمون المرية وما معها‏.‏

وأما مالقة فملكها بنو علي بن حمود فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها إلى أن أخذها منهم إدريس بن حبوس صاحب غرناطة سنة سبع وأربعين وانقضى أمر العلويين بالأندلس‏.‏

وأما غرناطة فملكها حبوس بن ماكسن الصنهاجي ثم مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة وولي بعده ابنه باديس فلما توفي ولي بعده ابن أخيه عبد الله بن بلكين وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة وانقرضت دول جميعهم وصارت الأندلس جميعها للملثمين وملكهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين واتصلت مملكته من المغرب الأقصى إلى آخر بلاد المسلمين بالأندلس نعود إلى سنة سبع وأربعمائة‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق