1674
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الخامس: اليهودية.. المفاهيم والفرق
الجزء الثاني: المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية
الباب التاسع عشر: الفكر الأخروي
البعـــــــث
Resurrection
«البعث» تقابلها في العبرية كلمة «تحيَت همِّيتيم». وفي الواقع، فإن ثمة إطارين لفهم فكرة البعث: الإطار التوحيدي، وفي نطاقه نجد أن الإيمان بالبعث يعني الإيمان بعودة الروح إلى الجسد في المستقبل (في اليوم الآخر) لتثاب أو تُعاقَب. وداخل الإطار الحلولي، وفي نطاقه أشكال مختلفة لفكرة البعث من بينها الإيمان بتناسخ الأرواح، أو الإيمان بخلود الروح وحسب دون بَعْث، أو الإيمان بأن بعض الأرواح وحدها هي التي تُبعَث ولا يُبعَث البعض الآخر، أو الإيمان بأن الموتى يحيون بعد الموت في عالم خاص بهم. ولا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، إذ يبدو أن العبرانيين القدامى لم يكونوا من المؤمنين بالبعث، وإنما كانوا يؤمنون بأن الإنسان جسد يفنى بالموت. وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، إذ أن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يُسمَّى «شيول»، حيث تبقى إلى الأبد، بغض النظر عما ارتكبته من أفعال في هذا العالم الدنيوي. وتتضـح هـذه الرؤيـة العدميـة في سـفر أيـوب الذي جـاء فيه: « اذكر أن حياتي إنما هي ريح، وعيني لا تعود ترى خيراً... السحاب يضمحل ويزول، وهكذا الذي ينزل إلى الهاوية (شيول) لا يصعد » (أيوب 7/7 ـ 9). "أما الرجل فيَبلى ويموت الإنسان يسلم الروح فأين هو... الإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم" (أيوب 14/10 ـ 12).
وقد كانت مكونات فكرة البعث موجودة، فإحدى صفات الإله أنه يُحيي الموتى، وقد رُفع إليه إلياهو بالفعل. ويبدو أن هناك إرهاصات لفكرة البعث في سفر أشعياء (26/19)، ولكنها لا تظهر بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال (وتحت تأثير فارسي): "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي" (سفر دانيال 12/1 ـ 3). وبعد ظهور المفهوم، حاول مفسرو العهد القديم أن يقوموا بعملية إسقاط لهذه الفكرة على نصوص سابقة لتفسَّر على أنها تتحدث عن البعث، كما فعل راشي مع مزمور 17/15. ومع هذا، لم تستقر الفكرة تماماً في اليهودية. وعند هدم الهيكل، كان الصدوقيون لا يزالون ينكرون البعث. ويبدو أن الأسينيين أيضاً لم يكونوا يؤمنون به، على عكس الفريسيين.
وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أُسُس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن، حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد (وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش). كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بُعداً قومياً وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يُبعَث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيُبعَثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيُبعَثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيُبعَث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفيةً بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة.
والواقع أن في إنكار البعث إنكاراً للمسئولية الشخصية وإنكاراً لفكرة الضمير الفردي، فالأخلاقيات اليهودية الحلولية أخلاقيات جماعية قومية لا تميِّز بين الخير والشر بقدر تمييزها بين اليهود والأغيار. وإنكار البعث تعبير مباشر عن النزعة الحلولية. فإذا كان الإله يحل في الأمة والأرض ولا يتجاوز المادة والتاريخ ويجمع بينهما، فإن البعث الفردي (والمسئولية الخلقية) تصبح أموراً مستحيلة وغير مرغوب فيها، فالبعث هو التوحد مع الأمة المقدَّسة والبحث عن الاستمرار والخلود من خلالها، وربما الدفن في الأرض المقدَّسة. ومن هنا كان الاهتمام المتطرف في إسرائيل بالدفن والمدافن، وباستعادة جثث الموتى من الجنود الإسرائيليين، بل من الشائع لدى بعض الجماعات اليهودية شراء تراب من أرض فلسطين (ومن القدس بالذات) ليُنثر على رأس المتوفي أملاً في أن يحوز بذلك البركة الخاصة بالبعث. وفي إطار الحلولية الصهيونية بدون إله ووحدة الوجود المادية التي تقدِّس الأرض، بدأ بعض الشباب الإسرائيلي يشعر بأن هذه الأرض المقدَّسة أصبحت تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. ولعل ما يدعم إحساسهم هذا، رفض يهود العالم الهجرة إليها وحرص الكثيرين منهم في الوقت نفسه على أن يدفن فيها.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق