إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 57



( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 57


  سَلَبه ما كان أنعم به عليه، ثم قال له: عمدت إلى رجل تاجر قد خرج من بلد شاسع، وقطع مسالك، واجتاز بملوك في بر وبحر، فلم يتعرض له، يؤمل الوصول إلى مملكتي ثقة منه بعدلي، ففعلت به ما فعلت، وكان ينصرف عن ملكي، ويقبح الأحدوثة عن سيرتي، أما لولا قديم حرمتك بنا لقتلتك، لكن أعاقبك بعقوبة إن عقلت فإنها أكبر من القتل، وهو أن أوليك مقابر الموتى من الملوك السالفة، أن عجزت عن تدبير الأحياء والقيام بما إليه ندبت، وأحسن الملك إلى التاجر، وحمله إلى خانقوا، وقال له: إن سمحت نفسك أن تبيع منا ما اختير لنا من متاعك بالثمن الجزيل، وإلا فأنت المحكَّم في مالك، أقم إذا شئت، وبع كيف شئت، وانصر راشداً حيث شئت، وصَرَف الخادم إلى مقابر الملوك.قال المسعودي: ومن طرائف أخبار ملوك الصين أن رجلاً من قريش من ولد هَبَّاربن الأسود لما كان من أمر صاحب الزنج بالبصرة ما كان واشتهر، خرج هذا الرجل من مدينة سيراف، وكان من أرباب البصيرة وأرباب النعم بها، وفي الأحوال الحسنة، ثم ركب منها في بعض مراكب بلاد الهند، ولم يزل يتحول من مركب إلى مركب، ومن بلد إلى بلد، يخترق ممالك الهند، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين فصار إلى مدينة خانقوا، ثم دعته همته إلى أن صار إلى دار ملك الصين، وكان الملك يومئذ بمدينة حمدان، وهي من كبار مدنهم، ومن عظيم أمصارهم، فأقام بباب الملك مدة طويلة يرفع الرقاع ويذكرأنه من أهل بيت نبوة العرب، فأمر الملك بعد هذه المدة الطويلة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة العلة من أموره وجميع ما يحتاج إليه، وكتب إلى الملك المقيم بخانقوا يأمره بالبحث عنه، ومسألة التجار عما يدعيه الرجل من قرابة نبي العرب صلى الله عليه وسلم، فكتب صاحب خانقوا بصحة نسبه، فأذن له في الوصول إليه، ووصله بمال واسع، وأعاده إلى العراق، وكان شيخاً فهماً، أخبر أنه لما وصل إليه، وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فمّال له: باللهّ عز وجل، وما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسجود للشمس والقمر من دون الله عز وجل، فقال له: لقد غلبت العرب على أجَلِّ الممالك، وأنفسها، وأوسعها رَيعاً، وأكثرها أموالاً، وأعقلها رجالاً، وأهداها صوتاً، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم. فقال: ما لي بهمِ علم، فقال للترجمان قل له: إنا نعدُّ الملوك خمسة، فأوسعهم ملكاَ الذي يملك العراق، لأنه في وسط الدنيا، والملوك مُحْدِقَة به، ونجد اسمه ملك الملوك، وبعده ملكنا هذا، ونجده عندنا ملك الناس، لأنه لا أحد من الملوك أسوس منا، ولا أضبط لملكه من ضبطنا لملكنا، ولا رعية من الرعايا أطوع لملكها من رعيتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعده ملك السباع، وهو ملك الترك الذي يلينا، وهم سباعُ الِإنْس، ومن بعده ملك الذيلَةِ، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة أيضاً، لأن أصلها منهم، ومن بعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال، لأنه ليس في الأرض أتم خلقاً من رجاله، ولا أحسن وجوهاً منهم، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم، ثم قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته. يعني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال القرشي: وكيف لي برؤيته وهو عند اللّه عزّ وجلّ. فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت صورته، فقلت: أجل، فأمر بسَفَطٍ فأخرج فضع بين يديه، فتناول منه درجاً، وقال للترجمان: أره صاحبه، فرأيت في الدرج صور الأنبياء، فحركتُ شفتيَّ بالصلاة عليهم، ولم يكن عندهم أني أعرفهم، فقال للترجمان: سَلْه عن تحريكه لشفتيه، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء: ومن أين عرفتهم. فقلت: بما صُوِّرَ من أمورهم، هذا نوح عليه السلام في السفينة ينجو بمن معه لما أمر اللّه عزّوجلّ الماء فعمَّ الماء الأرض كلها بمن فيها وسلمه وَمَنْ معه، فقال: أما نوح فصدقت في تسميته، وأما غرق الأرض كلها فلا نعرفه، وإنما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا، وإن كان خبركم صحيحاً فعن هذه القطعة، ونحن معاشر أهل الصين والهند والسند وغيرنا من الطوائف والأمم لا نعرف ما ذكرتم، ولا نَقَلَ إلينا أسلافنا ما وصفتم، وما ذكرت من ركوب الماء الأرض كلها فعن الكوائن العظام التي تُفزع النفس إلى حفظة وتتداوله الأمم ناقلة له، قال القرشي: فَهِبْتُ الرد عليه وإقأمة الحجة؛ لعلمي بدَفْعِهِ ذلك، ثم قلت: وهذا موسى صلى الله عليه وسلم وبنو 


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق