( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 534
وذكر أحمد بن سلام- وقد كان مع الأمين في الحَراقة حين انقلبت- فسبح فقبض عليه بعض أصحاب طاهر وأرادا قتله، فأرغبه في عشرة آلاف درهم، وأنه يحملها إليه في صبيحة تلك الليلة، قال: فأدخلتُ بيتاً مظلماً فبَيْنَاأنا كذلك إذ دخل عَليَ رجل عُرْيان عليه سراويل وعمامة قد تلثم بها، وعلى كتفه خِرْقَة، فجعلوه معي، وتقدموا إلى مَنْ في الدارفي حفظنا، فلما استقر في الدار حَسَر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، وجعل ينظر إلي ثم قال: أيهم أنت.. قلت:أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي أنت، قلت: أحمد بن سلام، قال: أعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرّقة، قلت: نعم، يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: أدنُ مني وَضُمَنِي إليك فأني أجد وَحْشَة شديدة، قال: فضممته إليَ، فإذا قلبه يخفق خفقاناً شديداً، ثم قال: أخْبِرْنِي عن أخي المأمون أحَي هو. قلت له: فهذا القتال عمن أذَن. قال: قبحهم اللّه، ذكروا أنه مات، قلت: قبح اللّه وزراءك فهم أوردوك هذا الموْرِدَ، فقال لي: يا أحمد ليس هذا موضع عتاب، فلا تقل في وزرائي إلا خيراً فما لهم ذنب، ولست بأول مَنْ طلب أمراً فلم يقدر عليه، قلت: ألبس إزاري هذا وَارْم بهذه الخرقة التي عليك، فقال: يا أحمد مَنْ كان حاله مثل حالي فهذه له كثير، ثم قال لي: يا أحمد ما أشُكُّ أنهم سيحملونني إلى أخي أفَترَى أخي قاتلي. قلت: كلا، أن الرحم ستعطفه عليك، فقال لي: هيهات. الملك عقيم لا رحم له، فقلت له: أن أمان هرثمة أمان أخيك، قال فلقنته الأستغفار وذكر اللّه، فبينا نحن كذلك إذ فتح باب البيت فدخل علينا رجل عليه سلاح فاطلَع في وجه محمد مستثبتاً له، فلما أثبته معرفَةً خرج وأغلق الباب، وإذا هومحمد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول، وقد كان بقي عَلَيَّ من صرتي الوتر، فخفت أن أقتل ولم أوتر، فقمت لأوتر، فقال لي: يا أحمد لا تبعد منّي وَصَل بقربي، فأني أجد وَحْشَة شديدة، فدنوت منه، فقلً ما لبثنا حتى سمعنا حركة الخيل وَدقَّ باب الدار، ففتح الباب فإذا قوم من العجم بأيديهم السيوف مُصْلَتة، فلما أحَسَ بهم محمد قام قائماً وقال: إنا لله وأنا إليه راجعون، ذهبت واللّه نفسي في سبيل اللّه، أما من حيلة. أما من مُغِيث. وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضاً ة فأخذ محمد بيده وسادة وجعل يقول: أنا ابن عمّ رسول الله،أنا ابن هارون الرشيد،أنا أخو المأمون، الله الله في دمي، فدخل عليه رجل منهم مولى لطاهر فضربه بالسيف ضربة وقعت في مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوساة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذا السيف من يده، فصاح بالفارسية: قتلني الرجل، فدخل منهم جماعة فنَخَسَه أحدهم بسيفه في خاصرته، وَكَبُّوه فذبحوه من قَفاه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر.
وقد قيل في كيفية قتله غير هذا، وقد أتينا على التنازع في ذلك في الكتاب الأوسط.
وأتى بخادمه كوثر وكان حَظِيّه، معه الخاتم وَالبُرْدُ والسيف والقضيب، فلما أصبح طاهر أمر برأسه فنصب على باب من أبواب بغداد يعرف بباب الحديد نحو قُطْربلَ في الجانب الغربي، إلى الظهر، ودُفنت جثته في بعض تلك البساتين.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق