( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 533
واللّه لوددت أنه أجابني إلى ذلك بأبحته خزائني، وفَوَّضْتُ إليه ملكي، ورضيت بالمعاش تحت يديه، ولا أظنني مُفْلِته، ولوكانت لي ألف نفس. فقال السندي: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، ولو أنك أبوه الحسين بن مصعب ما استبقاك، فقال محمد: وكيف لنا بالخلاص إلى هَرْثَمة ولات حين مناص. وراسلَ هرثمة، ومال إلى جنبته، فوعده هرثمة بكل ما أحب، وأنه يمنعه ممن يريد قتله، وبلغ ذلك طاهراً، فأشتد عليه وزاد غيظه وحنقه، ووعده هرثمة أن يأتيه في حَرَّاقة إلى مَشْرَعة باب خراسان فيصير به إلى عسكره هو ومن أحب، فلما همَّ محمد بالخروج في تلك الليلة- وهي ليلة الخميس، لخمس ليال بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة- دخل إليه الصعاليك من أصحابه، وهم فتيان الأبناء والجند، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، ليس معك من ينصحك، ونحن سبعة آلاف رجل مقاتلة، وفي إصطبلك سبعة آلاف فرس يحمل كل منه على فرس وتفتح بعض أبواب المدينة، ونخرج في هذه الليلة، فما يُقْدِم علينا أحد إلى أن نصير إلى بلد الجزيرة وديار ربيعة، فَنجْبِي الأموال، ونجمع الرجال، ونتوسط الشام، وندخل مصر، ويكثر الجيوش والمال، وتعود الدولة مقبلة جديدة، فقال: هذا واللّه الرأي، فعزمِ على ذلك وهَمَّ. به وجَنَح إليه، وكان لطاهر في جوف دار الأمين غلمان وخدَم من خاصة الأمين يبعثون إليه بالأخبار ساعة فساعة، فخرج الخبر إلى طاهر من وقته، فخاف طاهر، وعلم أنه الرأي أن فعله، فبعث إلى سليمان بن أبي جعفر وإلى ابن نهيك والسندي بن شاهك- وكانوا مع الأمين- أن لم تزيلوه عن هذا الرأي لأخربَنَ دياركم وضياعكم ولأزيلًنّ نعمكم. ولأتلفنَّ نفوسكم، فدخلوا على الأمين في ليلتهم، فأزالوه عن ذلك الرأي، وأتاه هرثمة في الحرَّاقة إلى باب خراسان، ودعا الأمين بفرس يقال له الزهيري، أغر محجل أدهم محذوف، ودعا الأمين بابنيه موسى وعبد اللهّ فعانقهما وشمهما وبكى، وقال: اللّه خليفتي عليكما، فلست أدري أألتقي معكما بعدها أو لا،وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود وقُدامه شمعة، حتى أتى باب خراسان إلى المشْرَعة والحراقة قائمة فنزل ودخل الحراقة، فقبَّل هرثمة بين عينيه، وقد كان طاهر نمي إليه خروجه، فبعث بالرجال من الهرَوِية وغيرهم والملاحين في الزوارق على الشط، فدفعت الحراقة، ولم يكن مع هرثمة عدة من رجاله، فأتى أصحاب طاهر عُرَاة فغاصوا تحت الحراقة فأنقلبت بمن فيها، فلم يكن لهرثمة شاغل إلا أن نجا بِحُشَاشة نفسه، فتعلق بزورق وصعد إليه من الماء ومضى إلى عسكره من الجانب الشرقي، وشق محمد ثيابه عن نفسه وسَبَحَ فوقع نحو السراة إلى عسكر قرين الديراني غلام طاهر، فأخذه بعض السواس حين شم منه رائحة المسك والطيب، فأتى به قريناً فأستاذن فيه طاهراً، فأتاه الإذن في الطريق وقد حمل إلى طاهر، فقتل في الطريق وهو يصيح: إنا للّه وإنا إليه راجعون،أنا ابن عَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأخو المأمون، والسيوفُ تأخذه حتى بَرَدَ، وأخذوا رأسه، وكانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق