( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 529
وبعث هرثمة بن أعين بن زهيربن المسيب الضبي من الجانب الشرقي، فنزل الماطر مما يلي كالواذا، وَعَشّر ما في السفن من أموال التجار الواردة من البصرة وواسط، ونصب على بغداد المنجنيقات، ونزل في رقة كلواذا والجزيرة، فتأذى الناس به، وصمد نحوه خلق من العَيَّارين وأهل السجون، وكانوا يقاتلون عُرَاةً في أوساطهم التبابين والميازر، وقد أتخذوا لرؤوسهم دواخل من الخوص وسموها الخوذ، وَدرَقاً من الخوص والبواري قد قُيِّرَت وحشيت بالحصى والرمل، على كل عشرة منهم عريف، وعلى كل عشرة عرفاء نقيب، وعلى كل عشرة نقباء قائد، وعلى كل عشرة قواد أمير، ولكل في مرتبة من المركوب على مقدارما تحت يده،فالعريف له أناس مركبهم غير ما ذكرنا من المقاتلة، وكذلك النقيب والقائد والأمير، ونادى عُرَاة قد جعل في أعناقهم الجلاجل والصوف الأحمر والأصفر، ومقاود قد اتخذت لهم، ولجم وأذناب من مكانس ومَذَابَّ، فيأتي العريف وقد أركب واحداً وقدامه عشرة من المقاتلة على رؤوسهم خوذ الخوص وَعَرَقُ البواري، ويأتي النقيب والقائد والأمير كذلك، فتقف النظارة يتظرون إلى حربهم مع أصحاب الخيول الفرةِ الجواشن والدروع والتجافيف والسواعد والرماح والدرق التبتية، فهؤلاء عراة وهؤلاء على ما ذكرنا من العدَة فكانت للعُرَاة على زهير، وأتاه المدَدُ من هرثمة، فأنهزمت العُرَاة، ورمت بهم خُيُولُهم، وتحاصروا جميعاً، وأخذهم السيف، فقتل منهم خلق، وقتل من النظارة خلق، فقال في ذلك الأعمى، وذكر رَمْيَ زهير بالمنجنيق:
لا تـــــــــــــــقـــــــــــــــرب الـــــــــــــــمـــــــــــــــنــــــــــــــــجـــــــــــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــــــــــــيق والـــــــــــــــــــــــــــــــحَـــــــــــــــــــــــــــــــجَـــــــــــــــــــــــــــــــرَا وقـــــــــــــــــــــــــــــــد رأيت الـــــــــــــــــــــــــــــــقـــــــــــــــــــــــــــــــتـــــــــــــــــــــــــــــــيل إذ قـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرا
بَاكَـــــــــــــــــــــــــــــــرَكـــــــــــــــــــــــــــــــيلا يفـــــــــــــــــــــــــــــــوتـــــــــــــــــــــــــــــــه خــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر راح قَـــــــــــــــــــــــــــــــتِـــــــــــــــــــــــــــــــيلاوخَـــــــــــــــــــــــــــــــلّـــــــــــــــــــــــــــــــفَ الـــــــــــــــــــــــــــــــخـــــــــــــــــــــــــــــــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرا
أرادا ألا يقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال: كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم أمـــــــــــــــــــــــــــــــر، فـــــــــــــــــــــــــــــــلـــــــــــــــــــــــــــــــم يدر مـــــــــــــــــــــــــــــــا بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه أمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرا
ياصـــــــــــــــاحـــــــــــــــب الـــــــــــــــمـــــــــــــــنـــــــــــــــجـــــــــــــــنـــــــــــــــــيق مـــــــــــــــــــــــــــــــافـــــــــــــــــــــــــــــــعـــــــــــــــــــــــــــــــلـــــــــــــــــــــــــــــــت كفـــــــــــــــــــــــــــــــاك. لـــــــــــــــــــــــــــــــم تُـــــــــــــــــــــــــــــــبْـــــــــــــــــــــــــــــــقِـــــــــــــــــــــــــــــــيا ولـــــــــــــــــــــــــــــــم تــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذرا
كان هواه سوى الذي أمراهيهات أن يغلب الهوى القدرا فلما ضاق الأمر بالأمين في أرْزَاقِ الجند ضرب أنية الذهب والفضة سِراً، وأعطى رجاله، وتحيز إلى طاهر الحربيةُ وغيرها من الأرباض مما يلي باب الأنبَار، وباب حرب، وباب قطر بل، فصارت الحرب في وسط الجانب الغربي، وعملت المنجنيقات بين الفريقين، وكثر الحريق وَالهَدْم ببغداد وَالكَرْخ وغيره من الجانبين، حتى درست محاسنها، واشتد الأمر، وتنقل الناس من موضع إلى موضع، وعم الخوف، فقال الشاعر:
من ذا أصابَكِ يا بغداد بالعين ألـــــــــــــــم تـــــــــــــــكـــــــــــــــونــــــــــــــــــــــــــــــي زمـــــــــــــــــــــــــــــــانـــــــــــــــــــــــــــــــاً قُـــــــــــــــــــــــــــــــرة الـــــــــــــــــــــــــــــــعـــــــــــــــــــــــــــــــين.
ألـــــــــــــــم يكــــــــــــــــــــــــــــــن فـــــــــــــــــــــــــــــــيك قـــــــــــــــــــــــــــــــوم كـــــــــــــــــــــــــــــــان قـــــــــــــــــــــــــــــــربـــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــمُ وَكـــــــــــــــان مـــــــــــــــســـــــــــــــكـــــــــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــم زينـــــــــــــــــــــــــــــــاً مـــــــــــــــــــــــــــــــن الـــــــــــــــــــــــــــــــزين.
صَاحَ الـــــــــــــــزمـــــــــــــــان بـــــــــــــــهـــــــــــــــم بـــــــــــــــالـــــــــــــــبـــــــــــــــين فــــــــــــــــــــــــــــــانـــــــــــــــــــــــــــــــقـــــــــــــــــــــــــــــــرضـــــــــــــــــــــــــــــــوا ماذا لـــــــــــــــقــــــــــــــــــــــــــــيت بـــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــم مـــــــــــــــــــــــــــــــن لـــــــــــــــــــــــــــــــوعة الـــــــــــــــــــــــــــــــبـــــــــــــــــــــــــــــــين.
أســـــــــــــــتـــــــــــــــورع الـــــــــــــــلّـــــــــــــــه قَــــــــــــــــوْمـــــــــــــــــــــــــــــــاً مـــــــــــــــــــــــــــــــاذكـــــــــــــــــــــــــــــــرتـــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــمُ إلاتـــــــــــــــحـــــــــــــــــــــــــــــدَّرَمـــــــــــــــــــــــــــــــاء الـــــــــــــــــــــــــــــــدمـــــــــــــــــــــــــــــــع مـــــــــــــــــــــــــــــــن عـــــــــــــــــــــــــــــــينـــــــــــــــــــــــــــــــي
كانـــــــــــــــوا فـــــــــــــــفـــــــــــــــرقـــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــم دهـــــــــــــــــــــــــــــــروَصَـــــــــــــــــــــــــــــــدعـــــــــــــــــــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــم والـــــــــــــــدهــــــــــــــــــــــــــــريصـــــــــــــــــــــــــــــــدع مـــــــــــــــــــــــــــــــا بـــــــــــــــــــــــــــــــين الـــــــــــــــــــــــــــــــفـــــــــــــــــــــــــــــــريقـــــــــــــــــــــــــــــــين ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين أربعةَ عَشَرَ شهراً، وضاقت بغداد بأهلها، وتعطلت المساجد، وتركت الصلاة، ونزل بها ما لم ينزل بها قط مثله، مذ بناها أبو جعفر المنصور، وقد كان لأهل بغداد في أيام حرب لمستعين والمعتز حرب نحو هذا من خروج العًيّارين إلى الحرب وقد أتخذوا خيلاً منهم وأمراء كالملقب بنينويه خالويه وغيرهم، يركب الواحد منهم على واحد من العَيَّارين ويسير إلى الحرب في خمسين ألف عُرَاة، ولم ينزل بأهل بغداد شر من هذا الحرب حرب المأمون والمخلوع، وقد استعظم أهل بغداد ما نزل بهم في هذا الوقت في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من خروج أبي إسحاق المتقي للّه عنهم، وما كان قبل هذا الوقت من البريديين، وابن رائق وتوزون التركي، وما دفعوا إليه من الوَحْشَة بخروج أبي محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد اللّه بن حمدان الملقب بناصر الدولة، وأخيه علي بن عبد اللهّ الملقب بسيف الدولة عليهم، لبعد العهد مما حلَّ بالمنازل بها، وطول السنين، وغيبة ذلك عنه وبُعْدِهم منه، وتقدم مثل أولئك العيارين الذين كانوا في ذلك العصر، واشتد الأمر بين المأمونية والعراة وغيرهم من أصحاب المخلوع، وَحُوصِر محمد في قصره من الجانب الغربي، فكان بينهم في بعض الأيام وقعة تَفانى فيها خلق كثير من الفريقين، فقال في ذلك حُسَيْن الخليع:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق