( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 528
فلا نحن أظهرنا من الـذنـب تـوبة ولا نحن أصلحنا فسـاد الـسـرائر
ولم نستمع مـن واعـظ ومُـذَكَـرَ فينجـع فـينـا وعْـظُ نـاه وآمـر
فنبكي على الإسلام لما تقـطـعـت رجاه، ورَجّى خَيْرَهَا كـل كـافـر
فأصبح بعض الناس يقتل بعضـهـم فمن بين مقهـور ذلـيل وقـاهـر
وصاررئيس القوم يحمـل نـفـسـه وصار رئيساً فيهـمُ كُـلُّ شـاطـر
فلا فاجر لـلـبـريحـفـظ حـرمة ولا يستطيع البَر دفعـاً لـفـاجـر
فمن قائم يدعو إلى الجهـد عـامـدا ومن أول قـد سـن عـنـا لآخـر
تراهم كأمـثـال الـذئاب رأت دَمـا فأمتهُ لا تلوي على زجـر زاجـر
إذا هـم الأعـداء أول مـنـــزل بسعيهمُ قـامـوا بِـهَـدْم الأواخـر
فأصبحتِ الأغتـام بـين بـيوتـهـم تَحًثهم بالمـرْهـفـات الـبَـواتـر
وأصبح فُسَّاق الـقـبـائل بـينـهـم تشدُّ على أقرانها بـالـخـنـاجـر
فنبكي لقتلى مـن صـديق ومـن أخ كريم، ومن جار شفـيق مـجـاور
ووالدة تبكي بحزن علـى ابـنـهـا فيبكي لها من رحـمةٍ كـلُّ طـائر
وذات حليل أصـبـحـت وهْـيَ أيم وتبكي عليه بالـدمـوع الـبـوادر
تقول له: قد كنت عـزاً ونـاصـراَ فَغُيِّبَ عني اليوم عِزَي ونـاصـري
وأبْـتُ لإحـراق وهـدْم مـنـازل وقتل وإنهاب اللُّـهـى والـذخـائر
وإبراز رَبات الـخـدور حَـوَاسـراً خرجن بـلا خُـمْـرٍ ولا بـمـآزر
تراهَا حَيارى ليس تعرف مـذهـبـاً نوافر أمثال الظـبـاء الـنـوافـر
كأن لم تكن بغداد أحسن مـنـظـراً ومَلْهًى رأتـه عـينُ لاهِ ونَـاظـر
بلى، هكذا فـإذهـب حـسـنـهـا وبدَّر منها الشمل حكَم الـمـقـادر
وحَلَّ بهم ما حَل بالناس قـبـلـهـم فأضحوا أحاديثاً لِـبَـادٍ وحـاضـر
أبغداد، يا دار الملوك، ومجـتـنـى صنوف المنى، يا مستقرَّ المنـابـر
ويا جنة الدنيا، ويا مَطْلَبَ الـغـنـى ومستنبط الأموال عند المـتـاجـر
أبيني لنا: أين الـذين عـهـدتـهـم يحلون في روض من العيش زاهر.
وَأين الملوك في المواكب تـغـتـدي تشبه حسناً بالنـجـوم الـزواهـر.
وأين القُضَاة الحاكـمـون بـرأيهـم لورد أمور مشـكـلات الأوامـر.
أو القائلون الناطـقـون بـحـكـمة وَرَصْفِ كلام من خطيب وشاعـر
وأين مراح للملـوك عـهـدتـهـا مزخرفة فيهاصنوف الـجـواهـر
تُرَشُّ بماء المسك وَالوَرْد أرضـهـا يفوح بها من بعد ريح المـجـامـرِ
ورَاحَ الندامـى فـيه كـل عـشـية إلى كل فَياضٍ كريم العـنـاصـر
ولهو قِيان تستجـيب لـنـغـمـهـا إذا هو لَبَّاهَا حـنـين الـمـزاهـر
فما للملوك الغُـرِّمـن آل هـاشـم وأشياعهم فيها اكتفوا بالمـفـاخـر
يروحون في سلطانهـم وكـأنـهـم يروحون في سُلْطان بعض العشـائر
تخاذل عما نَـالـهُـمْ كـبـراؤهـم فَنَالهُمُ بالـكـره أيدي الأصـاغـر
فأقسم لوأن المـلـوك تَـنَـاصَـرُوا لَذَلًتْ لها خوفاً رقاب الـجـبـابـر
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق