( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 488
فكلمتك في جُثَّة إبراهيم الإمام، فأنتهرِتِنِي وأمرتِ بإخراجي، وقلت: ما للنساء والدخول على الرجال في آرائهم. فواللهّ لقد كان مروان أرْعى للحق منك، لقد دخلْتُ إليه فحلف أنه ما قتله، وهو كاذب، وخيرني بين ان يدفنه او يدفع الي جثته فاخترت جثته وعَرَضَ عليَّ مالا فلم اقبله، فقالت مزنة: واللّه ما نظن هذه الحالة أدتني إلى ما ترينه إلا بالفعال التي كانت مني، وكإنك استحسنته فحرَّضْتِ الخيزران على فعل مثله، إنما كان يجب ان تحضيها على فعل الخير وترك المقابلة بالشر، لتحرز بذلك نعيمها، وتصون بها دينها، ثم قالت لزينب: يا بنت عم، كيف رأيت صنيع اللهّ بنا في العقوق فأحببت التأسَّيَ بنا، ثم وَلّتْ باكية وكرهت الخيزران أن تخالف زينب فيها فغمزت الخيزران بعض جواريها، فعدلت بها إلى بعض المقاصير، وأمرت بتغيير حالها والاحسان إليها، فلما دخل المهدي عليها- وقد انصرفت زينب وكان من شأنه الاجتماع مع خواص حرمه في كل عشية- قَصَّتْ عليه الخيزران قصتها، وما أمرت به من تغيير حالها، فدعا بالجارية التي ردتها، فقال لها: لما ردَدْتها إلى المقصورة ما الذي سمعتها تقول، قالت: لحقتها في الممر الفلاني وهي تبكي في خروجها مؤتسية وهي تقرأ وضرب اللّه مثلًا قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغَدا من كل مكان، فكفرت بأنعم اللّه، فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، ثم قال للخيزران: واللهّ واللّه لو لم تفعلي بها ما فعلت ما كلمتك أبداً، وبكى بكاء كثيراً، وقال: اللهم إني أعوذ بك من زوال النعمة، وانكَرَ فعل زينب، وقال: لولا أنها اكبر نسائنا لحلفت ألا اكلمها، ثم بعث إليها بعض الجواري إلى مقصورتها التي أخليت لها، وقال للجارية: اقرئي عليها السلام مني وقولي لها يا بنت عمر إن أخَوَاتِكِ قد اجتمعن عندي، ولولا إني أغمك لجئناك، فلما سمعت الرسالة علمت مراد المهدي، وقد حضرت زينب بنت سليمان، فجاءت مزنة تسحب اذيالها، فأمرها بالجلوس، ورحَّب بها واستداناها ورفع منزلتها فوق منزلة زينب بنت سليمان بن علي، ثم تفاوضوا أخبار أسلافهم، وأيام الناس، والدول وتنقلها، فما تركت لأحد في المجلس كلاماً، فقال لها المهدي: يا بنت عم، واللّه لولا إني لا احب أن أجعل لقوم أنت منهم من أمرنا شيئا لتزوجتك، ولكن لا شيء أصْوَنُ لك من حجابي، وكونك مع أخوتك في قصري: لك ما لهن، وعليك ما عليهن، إلى ان يأتيك أمر مَنْ له الأمر فيما حكم به على الخلق، ثم اقْطَعَها مثل ما لهن من الاقطاع واخدمها واجازها، فأقامت في قصره إلى أن قبض المهدي وأيام الهدي وصدراً من أيام الرشيد، وماتت في خلافته، لا يفرق بينها وبين نساء بني هاشمِ وخواص حرائرهم وجواريهم فلما قُبِضَتْ جزع الرشيد والحرم جزعاً شديداً.
عبد اللّه بن عمرو بن عتبة يعزي المهدي ويهنئه
وحدثنا الرياشي عن الاصمعي: دخل عبد اللّه بن عمرو بن عتبة على المهدي يعزيه بالمنصور، فقال: أجر اللّه أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك اللّه له فيما خَلّفه فيه، ولا مصيبة أعظم من فقد إمام والد، ولا عُقْبى أجل من خلافة اللّه على أولياء اللهّ، فاقْبَلْ يا أمير المؤمنين من اللّه أفضل العطية، واحتسب عند اللهّ أفضل الرزية.
عتبة الجارية وأبو العتاهية
ولما كثر تَشْبِيبُ أبي العتافية بعتبةجارية الخيزران شكت إلى مولاتها ما يَلْحَقُهَا من الشناعة، ودخل المهديُّ وهي تبكي بين يدي الخيزران، فسألها عن خبرها، فأخبرته، فأمر بإحضار أبي العتاهية، فأدخل إليه، فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل في عتبة:
اللّه بيني وبين مـولاتـي أبدت لي الصَدَّ والملامات ومتى وصلتك حتى تشكو صَدَّها عنك. قال: يا أمير المؤمنين ما قلت ذلك بل أنا الذي أقول:
يا ناق حُثِّي بنا ولاتَهِـنـي نفسك فيما ترين راحـات
حتى تجيئي بنا إلى مـلـك تَوَجَهُ الله بالـمَـهـابـاتِ
يقول للريح كلما عصفـتَ: هل لك يا ريح في مُبَارَاتي
عليه تاجان فوق مَفْـرِقِـهِ تاج جمال وتاج إ خْبَـاتِ قال: فنكس المهديُ رأسه، ونكت بالقضيب الذي كان في يده ثم رفع رأسه فقال: أنت القائل:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق