( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 466
ووجدت في سير الملوك من الأعاجم أن شيروَيْةِ بن أبرويز بينا هو في بعض منتزهاته بأرض العراق، وكان لا يسايره أحد من الناس مبتدئاً، وأهل المراتب العالية خَلْفَ ظهره على مراتبهم، فإن التفَتَ يميناً دنا منه صاحب الجيش، وإن التفت شمالاً دنا منه المُوبِذَانُ، فأمر مَنْ دنا منهما بإحضار مَنْ أراد مسامرته، فالتفت في مسيره هذا يميناً، فدنا منه صاحب الجيش، فقال: أين شداد بن جرثمة. فأحضر، فسايره، فقال له شيرويه: أفكَرْتُ في حديث جَدِّنَا أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر، فحدثْنِي به إن كنت تحفظه، وكان شداد قد سمع هذا الحديث من أنو شروان، وعرف المكيدة، وكيف كان أردشير أوقعها بملك الخزر، فاستعجم عليه شداد، وأوهمه أنه لا يعرفه، فحدثه شيرويه بالحديث، فأصغى إليه الرجل بجوارحه كلها، وكان مسيرهم على شاطىء نهر، فترك الرجل لإِقباله على شيرويه النَّظَرَ إلى موطىء حافر دابته، فزلّتْ إحدى قوائم الدابة، فمالت بالرجل إلى اليمين، فوقع في الماء، ونفرت الدابة، فابتدرها حاشية الملك وغلمانه فأمالوها عن الرجل، وجذبوه فحملوه على أيديهم حتى أخرجوه فاغتمَّ الملك لذلك، ونزل عن دابته وبسط له هنالك حتى تغذَى في موضعه، ودعا بثياب من خاص كسوته فألقيت على شداد وأكل معه، وقال له: غفلت عن النظر إلى موضع حافر دابتك، فقال: أيها الملك، إن اللّه إذا أنعم على عبد نعمةَ قابلها بمحنة، وعارضها ببلية، وعلى قدر النعم تكون المحن، وإن اللهّ أنعم عليَّ بنعمتين عظيمتين هما إقبال الملك عليَّ بوجهه من بين هذا السواد الأعظم وهذه الفائدة وهي تدبير الحرب حتى حدذَثَ بها عن أردشير حتى إني لو دخلت إلى حيث تطلع الشمس أو تغرب لكنت رابحأ، فلما اجتمعت نعمتان جليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة، ولولا أساورة الملك ويُمْن جده لكنت بعرض هلكة، وعلىِ ذلك فلو غرقت حتى ذهبت عن جديد الأرض لكان قد أبقى لي الملكُ ذكراَ مخلداً ما بقي الضياء والظلام والجنوب والصَبا فسُر الملك بذلك، وقال: ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه، فحشا فاه جوهراً ودراً رائقاً ثميناً، واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره.
وإنما ذكرنا هذا الخبر من أخبار من سلف منْ ملوك الفرس ليعلم أن أبا بكر الهذلي لم يبتدىء بحال لم يسبقه إليها غيره، ويتقدمه بها سواه.
أحسن المواقع من الملوك
وأحسن المواقع من الملوك الاستماعُ منها، والأخذ عنها، وقد كانت حكماء اليونإنيين تقول: إن الواجب على من أقبل عليه ملك أو ذو رياسة بحديث أن يصرف قلبه كله إلى ذلك، وإن كان يعرف الحديث الذي يسمعه من الملك، كأنه لم يسمعه قط، ويظهر السرور بالفائدة من الملك والاستبشار بحديثه، وإن في ذلك أمرين: أحدهما ما يظهر من حسني أدبه، فإنه يعطي الملك حقه بحسن الاستماع لحديثه والاستغراب له منه كأنه لم يسمعه، وإظهار السرور والاستفادة منه، فالنفس إلى الفوائد من الملوك والحديت عنهم أشْهَى وأقرب منها إلى فوائد السوقة وما أشبهها.
معاوية وابن شجرة الرهاوي
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق