( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 461
وذكر أبو الخطاب عن أبي جعدة بن هبيرة المخزومي- وكان أحَدَ وزراء مروان وسُمَّاره، وقد كان لما ظهر أمر أبي العباس انضاف إلى جملته وصار في عداد أصحابه وخواصه الذين اتخذهم- أنه كان في ذلك اليوم حاضراً لمجلس أبي العباس ورأسُ مروان بين يديه، وهو يؤمئذ بالحميمة،و أن أبا العباس التفت إلى أصحابه فقال: أيكم يعرف هذا. قال أبو جعدة: فقلت أنا أعرفه، هذا رأس أبي عبد اللّه مروان بن محمد خليفتنا، بالأمس رضي اللّه عنه، قال: فحدقت اليَّ الشيعة فأخذتني بأبصارها، قال لي أبو العباس: في أي سنة كان مولده، قلت: سنة ست وسبعين، فقام وقد تغير لونه غيظاً علي، وتفرق الناس من المجلس، وانصرفْتُ وأنا،نادم على ما كان مِني، وتكلم الناس في ذلك وتحدثوا به، فقلت: هذه زلة واللّه لا تُستقال ولا ينساها القوم أبداً، فأتيت منزلي، فلم أزل باقي يومي أعهد وأوصي، فلما كان الليل اغتسلت وتهيأت للصلاة، وكان أبو العباس إذا هَم بأمر بعث فيه ليلاً، فلم أزل ساهراً حتى أصبحت، فلما أصبحت ركبت بغلتي واستعرضت بقلبي إلى مَنْ أقصد في أمري، فلم أجد أحداً أوْلى من سليمان بن خالد مولى بني زُهْرَةَ، وكانت له من أبي العباس منزلة عظيمة، وكان من شيعة القوم، فأتيته، فقلت: أذَكَرني أمير المؤمنين البارِحَةَ. فقال: نعم، جرى ذكرك، فقال: هو ابن أختنا، وَفّي لصاحبه، ونحن إن أوليناه خيراً كان لنا أ شْكَرَ، فشكرت ذلك له، وجزيته خيراً، ودعوت له، وانصرفت، فلم أزل آتي أبا العباس على ما كُنْتَ عليه لا أرى الا خيراً، ونُمِيَ الكلام الذي كان في مجلس أبي العباس- حين أتي برأس مروان- فبلغ أبا جعفر وعبدَ اللهّ بن علي، فكتب عبدُ اللهّ بن علي إلى أبي العباس يًعْلمه بما بلغه من كلامي، وأنه ليس هذا يحتمل، وكتب أبو جعفر يخبر بما بلغه من ذلك، ويقول: هو ابن أختنا، ونحن أولى باصطناعه واتخاذ المعروف عنده، وبلغني ما كان منهما فأمسكت، وضرب الدهرضرباته، فبينا أنا ذات يوم عند أبي العباس بعد حين وقد تزايدت حالي عنده وأحْظَإني، فنهض الناس ونهضتُ، فقال لي أبو العباس: على رِسْلِكَ يا ابن هُبَيْرة، اجلس، ونهض ليدخل فقمت لقيامه، فقال: اجلس، فرفع الستر ودخل، وثبتُّ في مجلسي، فأقام مَلِيّاً ثم رفع الستر فخرج في ثوبَيْ وَشْي رادء وجبة، فما رأيت أحسن منه ولا مما عليه قَطُّ، فلما رفع الستر نهضت، فقال: اجلس، فقال: يا ابن هُبَيْرة، إني ذاكر لك أمراً فلا يخرجَنَّ من رأسك إلى أحَدٍ من الناس، ثم قال: قد علمت ما جعلنا من هذا الأمر وولاية العهد لمن قَتَلَ مروان، وعبد اللّه بن علي عمي هو الذي قتله، لأن ذلك كان بجيشه وأصحابه، وأخي أبو جعفر- مع فضله وعلمه وسنه وإيثاره لأمر اللهّ- كيف يسوغ إخراجه عنه. قال: فأطال في مديح أبي جعفر، فقلت: أصلح اللهّ أمير المؤمنين لا أشير عليك، ولكني أحدثك حديثاً تعتبره، فقال: هاته، فقلت: كنا مع مَسْلمة بن عبد الملك عام الخليج بالقسطنطينية إذ ورد عليه كتاب عمر بن عبد العزيز بنعي سليمان ومصير الأمر إليه، فبعث إلى فدخلتً عليه، فرمى بالكتاب الي فقرأته، ثم اندفع يبكي، فقلت: أصلح اللّه الأمير لا تَبْكِ على أخيك، ولكن ابْكِ على خروج الخلافة من ولد أبيك إلى ولد عمك، فبكى حتى اخضلتْ لحيته، قال: فلما فرغت من حديثي قال لي أبو العباس: حسبك قد فهمت عنك، ثم قال: إذا شئت فانهض، فما مضيت غيربعيد حتى قال لي: يا ابن هبيرة، فالتفت،راجعاً، فقال لي: امْض، أما إنك قد كافأت هذا، وأدركت بثأرك من هذا، قال: فما أدري من أي الأمرين أعجب، أمن فِطْنته أم من ذكره لما كان،.
وأبوجعدة بن هُبَيْرة هذا هو من ولد جعدة بن هبيرة المخزومي من فاختة ام هانىء بنت أبي طالب، وعليٌ وجعفر وعقيل أخْوَاله، وقد قدمنا خبَرَه فيما سلف من هذا الكتاب.
بين عبد اللّه بن علي وأخيه داود في ولاية عهد السفاح
قال المسعودي: ووجدت في أخبار المدائني، عن محمد بن الأسود، قال: بينما عبد اللّه بن علي يُسَاير أخاه داود بن علي ومعهما عبد اللّه بن الحسن بن الحسن: فقال داود لعبد اللّه: لم لا تأمر ابنيك، بالظهور، فقال عبد اللّه: هيهات لم يَئِنْ لهما بعدُ فالتفت إليه عبد اللهّ بن علي فقال: كأنك تحسب أن ابنيك هما قاتلا مروان، فقال: إن ذلك كذلك، فقال عبد اللّه: هيهات، وتمثل:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق