( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 434
ذكر أيام يزيد بن عبد الملك بن مروان
ومَلَكَ يزيد بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه عمر بن عبد العزيز، وهو يوم الجمعة لخمسٍ بِقين من رجب سنة إحدى ومائة، ويكنى أبا خالد وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وتوفي يزيد بن عبد الملك بإربد من أرض البلقاء من أعمال دمشق يوم الجمعة لخمسٍ بَقِين من شعبان سنة خمس ومائة، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، فكانت ولايته أربع سنين وشهراً ويومين.
ذكر لمع من أخباره وسيره
وجمل من ما كان في أيامه
حبه سلامة القس
كان الغالِبُ على يزيد بن عبد الملك حُبَ جارية يقال لها سلامة القَسِّ، وكانت لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فاشتراها يزيد بثلاثة آلاف دينار، فأعجب بها، وغلبت على أمره، وفيها يقول عبد اللّه بن قيس الرقَيَّات :
لقد فتن الدنيا وسلامة القسـا فلم يتركا للقس عقلاً ولا نفسا فاحتالت أم سعيد العثمانية جَدَّلُه بشراء جارية يقال لها حَبَابة قد كان في نفس يزيد بن عبد الملك قديماً منها شيء، فغلبت عليه، ووهب سَلاَّمَة لأم سعيد، فَعَذَلَهُ مسلمة بن عبد الملك لما عم الناس من الظلم والجور، باحتجابه وإقباله على الشرب واللهو، وقال له: إنما مات عُمَر أمس، وقد كان من عدله ما قد علمت، فينبغي أن لَظهر للناس العدل، وترفض هذا اللهو، فقد اقتدى بك عُمَّالك في سائر أفعالك وسيرتك، فارتَدَعَ عما كان عليه، فأظهر الإِقلاع والندم، وأقام على ذلك مدة مديدة، فغلظ ذلك على حَبَابة، فبعثت إلى الأحوص الشاعر وَمَعْبد المغني: انظرا ما أنتما صانعان، فقاد الأحوص في أبيات له:
ألا لا تَلُمْـهُ الـيوم أن يَتـبـلـدا فقد غلب المحزون أن يَتَجـلّـدَا
إذا كنت لم تعشق ولم تدرما الهوى فكن حجراً من يابس الصّلدِ جَلْمَدَا
فما العيش إلا ما تلذ وتشـتـهـي وإن لام فيه ذو الشنـانِ وَفـنـدَا وغَنَّاه مَعْبد، وأخذته حَبَابة، فلما دخل عليها يزِيِد قالت: يا أمير المؤمنين اسمع مِنِّي صوتاً واحداً ثم افعل ما بَدَا لك، وغنَتْه، فلما فرغ منه جعل يردد قولها:
فما العيش إلا ماتلذوتشتهـي وإن لام فيه ذو الشَّنَانِ وَفنداَّ وعاد بعد ذلك إلى لَهْوِه وَقَصْفِه وَرفَضَ ما كان عليه.
يزيد وحبابة وشعر للفند الزماني
وذكر إسحاق بن إبراهيم المَوْصِلِيُّ قال: حدثني ابن سلام، قال: ذكر يزيد قول الشاعر:
ضَفَحْنَاعن بني ذُهْـل وَقُلْنَا: القـوم إِخْـوَانُ
عسى الأيام أن اتَرْجِعْنَ قَوْماً كالذي كـانـوا
فلما صَـرَّحَ الـشّـر فَأَمْسى وَهْوَعُـرْيَان
مَشَيْنَا مِشْـيَة الـلّـيْثِ غَدَا والليث غَضْبَـانُ
بِضرْب فِيهِ تَـوْهِـينٌ وَتَخْضِـيع وإقـران
وَطَعْنًِ كَـفَـم الـزَقِّ وَهَى وَالزِّقُّ مـلآن
وفي الـشـر نـجـاة حِينَ لا يُنْجِيك إحْسَانُ
وهو شعر قديم يقال: إنه للفند الزماني في حرب البَسُوس، فقال لحبابة: غنيني به بحياتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا شعر لا أعرف أحداً يغني به إلا الأحول المكي، فقال: نعم، قد كنت سمعت ابن عائشة يعمل فيه ويترك، قالت: إنما أخذه عن فلان بن أبي لهب، وكان حَسَنَ الأداء، فَوَجَّهَ يزيد إلى صاحب مكة: إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى فلان ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه واحمله على ما شاء من دَوَابِّ البريد، ففعل، فلما قدم عليه قال: غنّني بشعر الفِنْدِ، فغناه فأجاد وأحسن، وقال: أعدهُ، فأعاده فأجاد وأحسن وأطرب يزيد، فقال له: عَمَّن أخذت هذا الغناء. فقال: يا أمير المؤمنين، أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، فقال: لو لم تَرِثْ إلا هذا الصوت لكان أبو لهب قد وَرَّثكم خيراً كثيراً، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب ماتِ كافراً مؤذياً لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أعلم ما تقول، ولكني دخلتني له رقة إذ كان مجيداً للغناء، ووصله وكَساه ورده إلى بلده مكرماً.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق