إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 19 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 435



( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 435


  وكتب في عهد عمر إلى يزيد: إذا أمكنتك القدرة بالعزة فاذكر قدرة اللّه عليك، وقيل: إن هذا الكلام كتب به عمر إلى بعض عماله، وفيه زيادة- على ما ذكره الزبير بن بكار- وهي: إذا أمكنتك القدرة من ظلم العباد فاذكر قدرة الله عليك بما تأتي إليهم، وأعلم أنك لا تأتي إليهم أمراً إلا كان زائلاً عنهم باقياً عليك، وأن اللّه يأخذ للمظلوم من الظالم، ومهما ظلمت من أحد فلا تظلمنَّ من لا ينتصرعليك إلا باللّه تعالى.

 موت حبابة وجزع يزيد عليها

 واعتلت حبابة فأقام يزيد أياماً لا يظهر للناس، ثم ماتت، فأقام أياماً لا يدفنها جزعاً عليها حتى جيَّفَتْ، فقيل: إن الناس يتحدثون بجزعك، وإن الخلافة تجلُّ عن ذلك، فدفنها وأقام على قبرها، فقال:         
  فإن تَسْلُ عنك النفس أو تدع الهَوَى                      فباليأس تَسْلُو النَّفْسُ لا بالتجـلـد ثم أقام بعدها أياماً قلائل ومات.
 حدث أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلي، عن أبي الحُويرث الثقفي قال: لما ماتت حَبَابة حزن عليها يزيد بن عبد الملك حزناً شديداً، وضَمَّ إليه جويرية لها كانت تحدثها فكانت تخدمه، فتمثلت الجارية يوماً:         
  كفى حَزَناً للهائم الصب أن يَرَى                      منازل من يهوى مُعًطّلة فقرا فبكى حتى كاد أن يموت، ولم تزل تلك الجويرية معه يتذكر بها حَبَابة حتى مات.
 وكان يزيد ذات يوم في مجلسه وقد غنَّته حبابة وسَلاّمة فطرب طرباً شديداً ثم قال: أريد أن أطير، فقالت له حَبَابة: يا مولاي، فعلى مَنْ تَدعَ الأمة وتدعنا.
 وكان أبو حمزة الخارجي إذا ذكَرَ بني مروان وعابهم ذكر يزيد بن عبد الملك فقال: أقعد حَبَابة عن يمينه وسَلاَّمة عن يساره، ثم قال: أريد أن أطير، فطار إلى لعنة اللّه وأليم عذابه.

 يزيد بن المهلب يخرج على يزيد بن عبد الملك

 قال المسعودي: وقد كان يزيد بن المهلَّب بن أبي صًفْرة هرب من سجن عمر بن عبد العزيز، حين أثقل، وذلك في سنة إحدى ومائة، وصار إلى البصرة وعليها عَدِيُّ بن الفَزَاري، فأخذه يزيد بن المهلب، فأوثقه ثم خرج يريد الكوفة مخالفاً على يزيد بن عبد الملك، وحشدت له الأزد أحلافها، وانحاز إليه أهله وخاصته، وعظم أمره، واشتدت شَوْكته فبعث إليه يزيد أخاه مَسْلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، في جيش عظيم، فلما شَارَفَاه رأى يزيد بن المهلب في عسكره اضطرابا، فقال: ما هذا الاضطراب. قيل: جاء مَسْلمة والعباسَ قال: فوالله ما مَسْلمة إلا جرادة صفراء، وما العباس إلا نسطوس بن سطوس، وما أهل الشام إلا طَغَام قد حشدوا ما بين فلاح وزراع ودباغ وسفلة، فأعيروني أكفكم ساعة واحدة تصفعون بها خراطيمهم، فما هي لا غدوة أو روْحَة حتى يحكم اللّه بيننا وبين القوم الظالمين، علي بفرسي، فأتي بفرس أبلق، فركب غير متسلح، فالتقى الجيشان اقتتلوا قتالاً شديداً، وولى أصحاب يزيد عنه، فقتل يزيد في المعركة، وصبر وإخوته أنفسهم، فقتلوا جميعاً، ففي ذلك يقول الشاعر:         
  كل القبائل بايعوك على الـذي                      تَدْعُو إليه طائعـين وسـاروا
  حتى إذا حضرا لْوَغَى وجعلتهم                      نُصْبَ الأسنة أسُلَمُوكَ وطاروا
  إن يقتلوك فإن قتلك لـم يكـن                      عاراً عليك وبَعْضُ قتل عـارُ فلما ورد الخبر على يزيد بن عبد الملك استبشر، وأخذ الشعراء جميعاً يهجون آل المهلب، إلا كثيراً، فإنه امتنع من ذلك فقال له يزيد: حَرَّكتك الرحم يا أبا صخر، لأنهم يمانيون، ففي ذلك يقول جرير يمدح يزيد، ويهجو آل المهلب:         
  يا رُبَّ قوم وقوم حاسدين لـكـم                      مافيهُم بَدَلٌ منكـم ولا حـلـف
  آل المهلّب جَزَّ اللَّـه دابـرهـم                      أمسوا رماداً فلا أصْلٌ ولا طرف
  ما نالت الأزد من دعوى مُضِلِّهـم                      إلا المعاصم، والأعناق تختطـف
  والأزد قد جعلوا المنتوف قائدهـم                      فَقَتًلتهُمْ جنود اللَّه، وانتُـسِـفـوا وهي طويلة، وفي ذلك يقول جرير أيضاً ليزيد من كلمة:         
  لقد تركت فلا نَعْدَمْكَ إذ كفـروا                      آل المهلب عَظْماً غير مجبـور
  يا ابن المهلب، إن الناس قد علموا                      أن الخلافة للشُّمِّ الـمـغـاوير 



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق