( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 426
بين سليمان وأبي حازم الأعرج
ودخل عليه أبو حازم الأعرج، فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت، قال: لأنكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قال: فأخبرني كيف القدومُ على اللهّ، قال: أما المحسن فكالغائب يأتي أهله مسروراً، وأما المسيء فكالعبد الأبق يأتي مولاه مَحْزوناً، قال: فأي الأعمال أفضل. قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأي القول اعْدَلُ. قال: كلمة حق عند من تخاف وترجو، قال: فأي الناس أعقل، قال: من عمل بطاعة اللّه، قال: فأي الناس أجهل. قال: من باع آخرته بدنيا غيره، قال: عِظْنِي وأوجز، قال: يا أمير المؤمنين، نَزِّه ربك وعَظمه بحيث أن يراك تجتنب ما نهاك عنه ولا يفقدك من حيث أمرك به، فبكى سليمان بكاءً شديداً، فقال له بعض جلسائه، أسرفت ويحك على أمير المؤمنين، فقال له أبو حازم: اسكت فإن اللّه عز وجل أخَذَ الميثاق على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتمونه ثم خرج، فلما صار إلى منزله بعث إليه سليمان بمالٍ، فرده، وقال للرسول: قل له واللّه يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك، فكيف أرضاه لنفسي.
بين سليمان وأعرابي
وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني الأصمعي، عن شيخ من المَهَالِبَة، قال: دخل أعرابي على سليمان فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فافهمه، فقال له سليمان: إنا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غِشّه، وأرجو أن تكون الناصح جَيْباً، المأمون غيباً، فهات، قال: يا أمير المؤمنين، أما إذ أمنتُ بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خَرسَتْ به الألسُنُ من عظتك تأدَيةً لحق اللّه رحق أمانتك، يا أمير المؤمنين، إنه قد تَكَنَّفَك رجال أساءُوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، رضاك بسخط ربهم، خافوك في اللهّ ولم يخافوا اللّه فيك، حَرْب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه، فإنهم لم يأتوا إلا ما فيه تضييع وللأمة خسف وعسف، وأنت مسؤول عما اجترموا، ولْيسوا مسؤولين عما أجترمت، فلا تُصْلِحْ دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سَلَلْتَ علينا لسانَكَ، وهو أقطع من سيفك، فقال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لاعليك، فقال سليمان: أما وأبيك يا أعرابي لا تزال العربُ بسلطاننا لأكناف العز مُتَبَوِّئَةً، ولا تزال أيام دولتنا بكل خير مُقْبلة، ولئن ساسكم ولاة غيرنا ليُحْمَدَنَّ منا ما أصبحتم تذمُونَ، فقال الأعرابي: أما إذا رجع الأمر إلى ولد العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وصِنْو أبيه ووارث ما جعله الله له أهلاً فلا، فتغافل سليمان كأنْ لم يسمع شيئاً، وخرج الأعرابي فكان آخر العهد به، هذا الخبر أخبرني به بعض شيوخ ولد العباس بمدينة السلام مدينة أبي جعفر المنصور، وهو ابن ديهة المنصوري، عن أبيه، عن علي بن جعفر النوفلي، عن أبيه، وذلك في سنة ثلثمائة.
سليمان يصف معاوية
وذُكِرَ معاوية بن أبي سفيان في مجلس سليمان، فصلّى على روحه وأرواح من سلف من آبائه، وقال: كان والله هَزْلُه جِدّاً، وجده علماً، واللّه ما رُئي مثل معاوية، كان واللّه غضبه حلماً، وحلمه حكماً، وقيل: إن هذا الكلام لعبد الملك.
خالد القسري في العراق
وكتب سليمان إلى خالد بن عبد اللّه القَسْرِي وهو على العراق في رجل استجار به من قريش، وكان هرب من خالد، أن لا يعرض له، فأتاه بالكتاب فلم يَفُضّه حتى ضربه مائة سوط، ثم قرأه، فقال: هذه نقمة أراد الله أن ينتقم بها منك لتركي قراءة الكتاب، ولو كنت قرأته لأنفذت ما فيه، فخرج القرشي راجعاً إلى سليمان، فسأله الفرزدق وأناس ممن كان بالباب عما صنع خالد، فأخبرهم، فقال الفرزدق في ذلك:
سَلُوا خَالداً لا قدس اللَّه خـالـدا مَتَى وَليت قَسْرٌ قُريْش تَدِينُهَـا
أقَبْلَ رسول اللَه أم بَعْدَ عـهـده فأضْحَتْ قًرَيش قد أغثَّ سَمِينُهَا
رَجَوْنَا هُدَاه لاَهَدَى اللَّه سَعْـيَه وما أمه بالأم يُهدَى جَنِـينـهَـا فلما بلغ سليمان ذلك وجَّه إلى خالد مَنْ ضربه مائة سوط، فقال الفرزدق في ذلك أبيات:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق