( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 425
وذكر الأصمعي قال: ذكرت للرشيد نَهَمَ سليمان وتناوله الفراريج بكمه من السفافيد، فقال: قاتلك الله فما أعلمك بأخبارهم، إنه عرضَت عليً جباب بني أمية، فنظرتُ إلى جباب سليمان وإذا كل جبة منها في كمها أثر كأنه أثر دهن، فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث، ثم قال: علىِ بجباب سليمان، فأتي بها، فنظرنا فإذا تلك الآثار فيها ظاهرة، فكساني منها جُبة، فكان الأصمعي ربما يخرج أحياناً فيها فيقول: هذه جُبة سليمان التي كسانيها الرشيد.
وذكر أن سليمان خرج من الحمام ذات يوم اشتدً جوعه، فاستعجل الطعام، ولم يكن فرغ منه، فأمر أن يقدم عليه ما لحق من الشواء، فقدم إليه عشرون خروفَاَ، فأكل أجوافها كلها مع أربعين رقآقة، ثم قرب بعد ذلك الطعام فأكل مع ندمائه كأنه لم يأكل شيئاً.
وحكي أنه كان يتخذ سلال الحلوى، ويجعل ذلك حول مرقده، فكان إذا قام من نومه يمدُّ يده فلا تقع إلا على سلة يأكل منها.
لبس سليمان فأعجبته نفسه
حدث المنقري، عن العتبي، عن إسحاق بن إبراهيم بن الصباح بن مروان- وكان مولى لبني أمية من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظاً لأخبار بني أمية- قال: لبس سليمان يوم الجمعة في ولايته لباساً شهر به، وتعطر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمُ بواحدة بعد أخرى حتى رضي منها بواحدة، فأرخى من سُدُولها، وأخذ بيده مخصرة، وعلا المنبر ناظراً في عطفيه، وجمع جمعه، وخطب خطبته التي أرادها، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشاب، السيد المهاب، الكريم الوهاب، فتمثلت له جارية من بعض جواريه وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه مُنَى النفس وقُرة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال الشاعر. قالت: قال:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى غيرأن لا بَقَاء للإِنـسـان
أنت مَنْ لايَرِيبنامنك شـيء علم اللَّه غير أنك فـإنـي
ليس فيما بدا لنا منك عـيبٌ ياسليمان غير أنـك فـان فدمعت عيناه وخرج على الناس باكياً، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية، فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين. قالت: واللّه ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبره ذلك، ودعا بِقَيِّمَةِ جواريه فصدقتها في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلا مُدَيْحَة حتى توفي.
وكان سليمان يقول: قد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وركبنا ا لْفَارِهَ، ولم يبق لي لذة إلا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤنة التحفظ.
بين سليمان وكاتب الحجاج
وأدخل عليه يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج والمستولي عليه، وهو مكبل بالحديد، فلما رآه ازدرَاهُ، فقال: ما رأيت كاليوم قطَ، لعَنَ اللّه رجلاً أجَركَ رَسَنُه، وحكمك في أمره، فقال له يزيد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنك رأيتني والأمر عني مُدْبر، عليك مُقْبل، ولو رأيتني والأمر مقبل عليً لاستعظمت مني ما استصغرت، ولاستجللت مني ما استحقرت، قال: صدقت فاجلس لا أم لك، فلما استقر به المجلس قال له سليمان: عزمت عليك لتخبرني عن الحجاج ما ظنك به أتراه يَهْوِي بعدُ في جهنم أم قد استقر فيها، قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا في الحجاج، فقد بذل لكم نصحه، وأحْقَنَ دونكم دمه، وأمَّنَ وليكم، وأخاف عدوكم، وإنه يوم القيامة لَعَنْ يمين أبيك عبد الملك، ويسار أخيك الوليد، فاجعله حيث شئت، فصاح سليمان: اخْرُجْ عني إلى لعنة اللهّ، ثم التفت إلى جلسائه فقال: قبحه اللّه، ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه، ولقد أحسن المكافأة، أطلقوا سبيله.
بين سليمان وأبي حازم الأعرج
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق