( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 408
الحجاج يلتمس محدثاً مؤنساً
وحدث حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة، فقال لحرسي: ائتني بمحدِّثٍ من المسجد، فاعترض رجلاً جسيماً عظيماً، فقال له: أجب الأمير، فانطلق به حتى أدخله إليه، فلم يسلم ولا نطق حتى قال له الحجاج: إيه ما عندك. فلم يتكلم، فقال للحرسي، أخرجه اللّه نفسك، أمرتك أن تأتيني بمحدث فأتيتني بمرعوب قد ذهب فؤاده، فخرج الحجاج ومعه صرة دراهم إلى المسجد، فجعل يناول الناس فيأخذونها، حتى انتهى إلى شيخ، فأعطاه فَنَبَذَها، فأعادها الحجاج فردَّها، ففعل ذلك الحجاج ثلاثَاَ، فدنا منه الحجاج وقال: أنا الحجاج فأخذها، ودخل القصر، وقال للحرمي: ألحقني به، فدخل فسلم بلسان ذلق وقلب شديد، فقال له الحجاج: ممن الرجل. فقال: من بني شيبان، قال: ما اسمك. قال سميرة بن الجعد، قال: يا سميرة، هل قرأت القرآن. قال: جمعته في صدري فإن عملت به فقد حفظته وإن لم أعمل به ضيعته، قال: فهل يفرض. قال: إني لأفرض الصُّلْب وأعرف الاختلاف في الجد، قال: فهل تبصر الفقه. قال: إني لأبصر ما أقوم به أهلي وأرشد ذا العمى من قومي، قال: فهل تعرف النجوم. قال: إني لأعرف منازل القمر، وما أهتدي به في السفر، قال: فهل تروي الشعر. قال: إني لأروي المثل والشاهد، قال: المثل قد عرفناه فما الشاهد. قال: اليوم يكون للعرب من أيامها عليه شاهد من الشعر، فإني أروي ذلك الشاهد، فاتخذه الحجاج سميراً، فلم يك يطلب شيئاً من الحديث إلا وجد عنده منه علماً، وكان يرى رأي الخوارج وكان من أصحاب قَطَريَ بن الفُجَاءة التميمي، والفجاءة أمةً، وكانت من بني شيبان، وإنما هو رجل من تميم، وكان قَطَرِي يومئذ يحارب المهلب، فبلغ قطريا مكان سميرة من الحجاج، فكتب إليه بأبيات منها:
لشتَّان ما بين ابن جعد وبـينـنـا إذا نحن رُحْنَا في الحديد المظاهر
نجاهد فُرْسَانَ المهلّـب كـلـنـا صَبُورٌ على وقع السيوف البَواتر
وراح يجر الخَزَّ عـنـد أمـيره أميرٌ بتقـوى ربـه غـيرُآمـر
أبا الجعد، أين العلم والحلم والنهى وميراث آباء كرام العنـاصِـرِ.
ألم تر أن الموت لا شـك نـازل ولا بدمن بعث الألى في المقابر.
حفاةً عراةً والثـواب لـربـهـم فمن بين ذي ربح وآخر خاسـر
فإن الذي قد نِلْتَ يَفْنَـى، وإنـمـا حياتك في الدنيا كوقـعة طـائر
فَرَاجِع أبا جعد ولاتك مُفْـضِـياً على ظلمة أعشَتْ جميع النواظر
وتُبْ توْبةً تهدي إلـيك شـهـادة فإنك ذوذنب ولسـت بـكـافـر
وسِرْ نحونا تَلْقَ الجهاد غـنـيمة تُفدْكَ ابتياعاً رابحاً غير خـاسـر
هي الغاية القُصوى الرغيب ثوابها إذا نال في الدنيا الغِنَى كل تاجر فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه، ولحق بقَطَرِي، وطلبهُ الحجاج فلم يقدر عليه، ولم يشعر الحجاج إلا وكتاب قد بدر منه شعر قطري الذي كان كتب به إليه وفي أسفل الكتاب إلى الحجاج أبيات، منها:
فمن مُبْلغ الحجـاج أن سـمـيرة قلا كلً دين غير دين الخـوارج
رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه ملاعين تَراكين قَصْدَ المخـارج
فأقْبَلْتُ نحو الله بالـلَّـه واثـقـاً وما كُرْبِتِي غير الإِله بـفـارج
إلى عصبة، أما النهار فـإنـهـم هم الأسد أسد الغيل عند التهـايج
وأما إذا ما الليل جَـنَّ فـإنـهـم قيام كأنواع النساء الـنـواشـج
يُنَادون للتحكيم، تـالـلَّـه إنـهـم رَأوْا حكم عَمروٍ كالرياح الهوائج
وَحُكْم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا بحبلٍ شديدِ المتن ليس بـنـاهـج فطرح الحجاج هذا الكتاب إلى عنبسة بن سعيد، فقال: هذا ا سميرنا الشيباني، وهو من الخوارج، ولا نعلم به.
ولأبي الجعد سميرة بن الجعد سمير الحجاج هذا أشعار كثيرة، منها قوله من أبيات:
عجبت لحالات البـلاء ولـلـدهـر وللْحَيْن يأتي المرء من حَيْث لايدري
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق