( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 407
يا أهل العراق، لم تنفعكم التجارب وتحفظكم المواعظ وتعظكم الوقائع، هل يقع في صدوركم ما أوقع اللّه بكم عند مصادر الأمور ومواردها يا أهل الشام، أنا لكم كالظّليم الرامح عن فراخه، ينفي عنهن القذى، ويكنفهن من المطر، ويحفظهن من الذئاب، ويحميهن من سائر الدواب، لا يخلص إليهن معه قذى، ولا يُفضِي إليهن ردى، ولا يمسهن أذى.
يا أهل الشام، أنتم العدة والعدد، والجُنَّة في الحرب، إن نحارب حاربتم، أو نجانب جانبتم، وما أنتم وأهل العراق إلا كما قال نابغة بني جعدة:
وإن تداعيهم حظـهـم ولم ترزقوه ولم نكذب
كقول اليهود قتلنا المسيح ولم يقتلوه ولم يُصْلَـبِ في أبيات.
من عبد الملك إلى الحجاج
ولما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطائه الأموال بلغ ذلك عبد الملك، فكتب إليه: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين سَرَفُكَ في الدماء، وتبذيرك في الأموال، ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين الخصلتين لأحَدٍ من الناس، وقد حكم عليك أمير المؤمنين في الدماء في الخطأ الدية وفي العمد القود، وفي الأموال ردها إلى مواضعها، ثم العمل فيها برأيه، فإنما أمير المؤمنين أمين اللّه، وسيان عنده منع حق وإعطاء باطل، فإن كنت أردت الناس له فما أغناهم عنك، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك من أمير المؤمنين أمران لين وشدة، فلا يؤنسنك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وظنَّ بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ، وإذا أعطاك الظفر على قوم فلا تقتلن جانحاً ولا أسيراً، وكتب في أسفل كتابه:
إذا أنت لم تترك أموراً كرهتها وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه
وتخشى الذي يخشاه مِثْلُكَ هارباً إلى الله منه ضَيعَ الدَّرَّحالبـه
فإن تَرَمني غـفـلة قُـرَشـية فياربما قد غص بالماء شاربه
وإن تَرَ مـنـي وَثْـبَة أمَـوِّيَةً فهذا وهذا كلّ ذا أنا صاحبـه
فلا لا تلمني والحـوادث جـمة فإنك مجزيٌّ بما أنت كاسـبـه
ولاتَعْد ُمايأتيك مني، وإن تَعُـد يَقُومُ بها يوما عليك نـوادبـه
ولاتنقصن للناس حقاًعلـمـتـه ولاتعطين ماليس للَّه جانـبـه وهي أبيات من جيد ما اخترناه من قول عبد الملك.
جواب الحجاج
فلما قرأ الحجاج كتابه كتب: أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سَرَفِي في الدماء، وتبذيري في الأموال، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هُمْ أهْلُه، وما قضيت حقَّ أهل الطاعة بما استحقوه، فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفاً وإعطائي أولئك المطيعين تبذيراً فليسوِّغْنِي أمير المؤمنين ما سلف، وليحدِّ لي فيه حداً انتهي إليه إن شاء اللّه تعالى، ولا قوة إلا باللّه، وواللّه ما علي من عَقْل ولا قَوَد: ما أصبت القوم خطأ فأدِيَهُمْ ولا ظلمتهم فأقاد بهم ولا أعطيتهم إلا لك، ولا قتلت إلا فيك، وأما ما أنا منتظره من أمْرَيْكَ فألينهما عدة وأعظمهما محنة، فقد عبأت للعدة الجلاد، وللمحنة الصبر، وكتب في أسفل كتابه:
إذا أنا لم أتْبَعْ رضـاك وأتَّـقِـي أذاك فيومي لاتزول كـواكـبـه
وما لامرىء بعد الخـلـيفة جُـنة تقيه من الأمر الذيِ هوكاسـبـه
أسالم من سالمت مـن ذي قـرابة ومَنْ لم تسالمه فإني مـحـاربـه
إذا قارف الحجاج منك خـطـيئة فقامت عليه في الصباح نوادبـه
إذا أنا لم أدْنِ الشفيق لنـصـحـه وأقْصِي الذي تسري إليَّ عقاربه
فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقـي مُصَاولتي، والدهر جَمٌّ نَـوَائِبـه.
فقف بي على حد الرضا لا أجوزه مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه
وإلاَ فَدَعنِي والأمـور فـإنـنـي شفيق رفيق أحكمتني تجـاربـه وهي أبيات من جيد ما اخترناه من شعر الحجاج.
فلما انتهى كتابه إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صَوْلتي، ولن أعود لشيء يكرهه.
الحجاج يلتمس محدثاً مؤنساً
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق