( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 406
خروج ابن الأشعث
وقد كان الحجاج استعمل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على سجستان وبُسْتَ والرخج، فحارب مَنْ هنالك من أمم الترك، وهم أنواع من الترك يقال لهم الغوز والخلج، وحارب مَنْ يلي تلك البلاد من ملوك الهند، مثل رتبيل وغيره وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب مراتب ملوك الهند وغيرهم من ملوك العالم، وذكرنا مملكة كل واحد منهم، والصقع الذي هو به، وذوي السِّمَات منهم، وبينا أن كل ملك يلي هذا الصقع من بلاد الهند يقال له رتبيل فخلع ابن الأشعث طاعة الحجاج، وصار إلى بلاد كرمان، فثنى بخلع عبد الملك، وانقاد إلى طاعته أهْلُ البصرة والجبال مما يلي الكوفة والبصرة وغيرهما، وسار الحجاج إلى البصرة، وسار ابن الأشعث إليه، فكانت له حروب عظيمة، وفي عبد الرحمن بن الأشعث يقول الشاعر:
خلع الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقوام وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك يعلمه بخبر ابن الأشعث، فكتب إليه عبد الملك: لعمري لقد خلع طاعة اللهّ بيمينه، وسلطانه بشماله، وخرج من الدين عرياناً، وإني لأرجو أن يكون هلاكه وهلاك أهل بيته واستئصالهم في ذلك على يدي أمير المؤمنين، وما جوابه عندي في خلع الطاعة إلا قول القائل:
أناة وحلماً وانتظاراً بـهـم غـداً فما أنا بالواني ولا الضّرِع الغمر
أظن صروف الدهر والجهل منهم ستحملكم مني على مركب وعرِ
ألم تعلموا إني تخاف عَرَامـتـي وأن قَنَاتي لاتلين على الكـسـر ودخل ابن الأشعث الكوفة، وكتب الحجاج كتاباً إلى عبد الملك يذكر فيه جيوش ابن الأشعث وكثرتها، ويستنجد عبد الملك ويسأله الأمداد، وقال في كتابه: واغوثاه يا أللّه، واغوثاه يا أللّه، واغوثاه يا أللهّ، فأمده بالجيوس وكتب إليه: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك.
وقائع دير الجماجم وقتل ابن الأشعث
فالتقى الحجاج وابن الأشعث بالموضع المعروف بدير الجماجم، فكانت بينهم وقائع نيف وثمانون وقعة تَفَانى فيها خلق، وذلك في سنة اثنتين وثمانين، وكانت على ابن الأشعث، فمضى حتى أنتهى إلى ملوك الهند، ولم يزل الحجاج يحتال في قتله حتى قتل، وأتى برأسه، فعلا الحجاج منبر الكوفة، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أهل العراق، إن الشيطان اسْتَبْطَنَكُمْ فخالط اللحم منكم والعظم والأطراف والأعضاء، وجرى منكم مجرى الدمٍ، وأفضى إلى الأضلاع والأمخاخ، فحشا ما هناك شقاقاً واختلافاً ونفاقاً، ثم أربع فيه فعشش، وباض فيه ففرخ، واتخذتموه دليلاً تتابعونه، وقائداً تطاوعونه، ومؤمراً تستأمرونه، ألستم أصحابي بالأهواز حين سعيتم بالغدر بي فاستجمعتم عليَّ وحيث ظننتمِ أن اللّه سيخذل دينه وخلافته، وأقسم باللهّ إني لأراكم بطرفي تتسللون لِوَاذاَ منهزمين، سراعاً مفترقين، كل امرىء منكم عَلَى عنقه السيف رعباً وجبناً، ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية. بها كان فَشَلُكم وتخاذلكم، وبراءة اللّه منكم، توليكم على أكتافكم السيوف هاربين ونكوص وليكم عنكم، إذ ولّيتم كِالإبل الشَّواردِ إلى أوطانها لا يسأل الرجل عن بنيه، ولا يلوي امرؤ عَلى أخيه، حتى عضتكم السلاح، وقصفتكم الرماح، ويوم دير الجماجم، بها كانت الملاحم، والمعارك العظائم:
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلـه فما الذي أرجوه منكم يا أهل العراق. أم ما الذي أتوقعه. ولماذا أستبقيكم. ولأي شيء أدخركم. أللفجرات بعد العداوات. أم للنزوة بعد النزوِات. وما الذي أراقب بكم. وما الذي أنتظر فيكم، إن بُعِثتم إلى ثغوركم جبنتم، وإن أمنتم أو خفتم نافقتم، لا تجزون بحسنة، ولا تشكرون نعمة.
يا أهل العراق، هل استنبحكم نابح، أو استشلاكم غاو، أو استخفكم ناكث، أواستنفركم عاص إلا تابعتموه وبايعتموه، وآويتموه وكفيتموه..
يا أهل العراق، هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو دبي كاذب إلا كنتم أنصاره وأشياعه..
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق