2582
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
دولة الترك
الخبر عن دولة الترك القائمين بالدولة العباسية بمصر والشام
من بعد بني أيوب ولهذا العهد ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم
قد تقدم لنا ذكر الترك وأنسابهم أول الكتاب عند ذكر أمم العالم، ثم أخبار الأمم السلجوقية، وأنهم من ولد يافث بن نوح باتفاق من أهل الخليقة. فعند نسابة العرب أنهم من عامور بن سويل بن يافث، وعند نسابة الروم أنهم من طيراش بن يافث. هكذا وقع في التورارة. والظاهر أن ما وقع لنسابة العرب غلط، وان عامور هو مصحف كومر لأن كافه تنقلب عند التعريب غيناً معجمة فربما صحفت عيناً مهملة أو بقيت بحالها. وأما سويل فغلط بالزيادة وأما ما وقع للروم من نسبتهم إلى طيراش فهو منقول في الإسرائيليات، وهو رأي مرجوح عندهم لمخالفته لما في التوراة. وأما شعوبهم وأجناسهم فكثيرة وقد عددنا منهم أول الكتاب التغرغر، وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طغماح، وهي بلاد ملوكهم في الإسلام تركستان وكاشغر.
وعددنا منهم أيضاً الخزلخية والغز كان منهم السلجوقية، والهياطلة الذين منهم الخلج وبلادهم الصغد قريباً من سمرقند ويسمون بها أيضاً. وعددنا منهم أيضاً الغور والخزر والقفجاق، وبقال الخفشاخ ويمك والعلان، ويقال اللان وشركس وأركش. وقال صاحب كتاب زجار في الكلام على الجغرافيا أجناس من الترك كلهم وراء النهر إلى البحر المظلم، وهي العسية والتغرغرية والخرخيرية والكيماكية والخزلخية والخزر والحاسان وتركش وأركش وخفشاخ والخلخ والغزية وبلغار وخجاكت ويمناك وبرطاس وسنجرت وخرجان وأنكر. وذكر في موضع آخر أنكر من شعوب الترك، وأنهم في بلاد البنادقة من أرض الروم وأما مواطنهم فإنهم ملكوا الجانب الشمالي من المعمور في النصف الشرقي منه قبالة الهند والعراق في ثلاثة أقاليم: هي السادس والسابع والخامس، كما ملك العرب الجانب الجنوبي من المعمور أيضاً في جزيرة العرب وما إليها من أطراف الشام والعراق وهم رجالة مثلهم وأهل حرب وافتراس ومعاش من التغلب والنهب إلا في الأقل. وقد ذكرنا أنهم عند الفتح لم يذعنوا إلا بعد طول حرب وممارسة أيام سائر دولة بني أمية، وصدراً من صولة بني العباس. وامتلأت أيدي العرب يومئذ من سبيهم فاتخذوهم خولا في المهن والصنائع، ونساءهم فرشا للولادة كما فعلوه في سبي الفرس والروم وسائر الأمم الذين قاتلوهم على الدين، وكان شأنهم أن لا يستعينوا برقيقهم في شيء مما يغانونه من الغزو والفتوح ومحاربة الأمم، ومن أسلم منهم تركوه لسبيله التي هو
عليها من أمر معاشه على طاغية هواه.لأن عصبية العرب كانت مستفحلة يومئذ وشوكتهم قائمة مرهفة، ويدهم ويد سلطانهم في الأمر جميعاً، ومرماهم إلى العز والمجد واحد. وكانوا كأسنان المشط لتزاحم الأنساب وغضاضة الدين، حتى إذا أرهف الملكم حده ونهج إلى الإستبداد طريقه وإحتاج السلطان في القيام بأمره إلى الإستظهار على المنازعين فيه من قومه بالعصبية المدافعة دونه، والشوكة المعترض شباها في أذياله حتى تجدع أنوفهم عن التطاول إلى رتبته، وتغض أعنتهم عن السير في مضماره اتخذ بنو العباس من لدن المهدي والرشيد بطانة إصطنعوهم من موالي الترك والروم والبربر، ملؤا منهم المواكب في الأعياد والمشاهد والحروب والصوائف والحراسة على السلطان، وزينة في أيام السلم واكثافاً لعصابة الملك. حتى لقد إتخذ المعتصم مدينة سامرا لنزلهم تحرجاً من أضرار الرعية باصطدام مراكبهم، وتراكم القتال بجوهم، وضيق السكك على المارين بزحامهم.
وكان إسم الترك غالباً على جميعهم فكانوا تبعا لهم ومندرجين فيهم. وكانت حروب المسلمين لذلك العهد في القاصية وخصوصاً مع الترك متصلة والفتوح فيهم متعاقبة، وأمواج السبي من كل وجه متداركة. وربما رام الخلفاء عند استكمال بغيتهم واستجماع عصابتهم إصطفاء علية منهم للمخالصة، وقواد العساكر ورؤساء المراكب، فكانوا يأخذون في تدريجهم لذلك بمذاهب الترشيح فينتقون من أجود السبي الغلمان كالدنانير، والجوار كاللآلىء ويسلمونهم إلى قهارمة القصور وقرمة الدواوين، يأخذونهم بحدود الإسلام والشريعة وآداب الملك والسياسة، ومراس الثقافة في المران على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والمطاعنة بالرماح، والبصر بأمور الحرب والفروسية، ومعاناة الخيول والسلاح والوقوف على معاني السياسة.
حتى إذا تنازعوا في التشريح وإنسلخوا من جلدة الخشونة إلى رقة الحاشية وملكة التهذيب إصطنعوا منهم للمخالصة، ورقوهم في المراتب وإختاروا منهم لقيادة العساكر في الحروب، ورئاسة المواكب أيام الزينة، ورتق الفتوق الحادثة وسد الثغور القاصية كل على شاكلة غنائه وسابق إصطناعه. فلم يزل هذا دأب الخلفاء في إصطناعهم، ودعامة سرير الملك بعمدهم ؛ وتمهيد الخلافة بمقاماتهم حتى سموا في درج الملك، وامتلأت جوانجهم من الغزو، وطمحت أبصارهم إلى الإستبداد فتغلبوا على الدولة، وحجروا الخلفاء وقعدوا بدست الملك ومدرج النهي والأمر، وقادوا الدولة بزمامهم، وأضافوا إسم السلطان إلى مراتبهم.وكان مبدأ ذلك واقعة المتوكل، وما حصل بعدها من تغلب الموالي واستبدادهم بالدولة والسلطان. ونهج السلف منهم في ذلك السبيل للخلف، وإقتدى الاخر بالأول فكانت لهم دول في الإسلام متعددة تعقب غالباً دولة أهل العصبية وشوكة النسب: كمثل دولة بني
سامان وراء النهر، وبني سبكتكين بعدهم، وبني طولون بمصر، وبني طغج. وما كان بعد الدولة السلجوقية من دولتهم مثل: بني خوارزم شاه بما وراء النهر، وبني طغرلتكين بدمشق، وبني أرتق بماردين، وبني زنكي بالموصل والشام، وغير ذلك من دولهم التي قصصناها عليك في تصانيف الكتاب.حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف، ولبثت أثواب البلاء والعجز ورميت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسي الخلافة وطمسوا رونق البلاد، وأدالوا بالكفر من الإيمان بما أخذ أهلها عند الإستغراق في التنعم والتشاغل في اللذات والإسترسال في الترف من تكاسل الهمم والقعود عن المناصرة، والإنسلاح من جلدة البأس وشعار الرجولية، فكان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بأحياء رمقه وتلافى شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه، وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها العزيزة المتوافرة أمراء حامية وأنصاراً متوافية، يجلبون من دار الحرب إلى دار الإسلام في مقادة الرق الذي كمن اللطف في طيه، وتعرفوا العز والخير في مغبته، وتعرضوا للعناية الربانية بتلافيه. يدخلون في الدين بعزائم إيمانية وأخلاق بدوية لم يدنسها لؤم الطباع، ولا خالطتها أقذار اللذات، ولا دنستها عوائد الحضارة، ولا كسر من سورتها غزارة الترف.ثم يخرج بهم التجار إلى مصر أرسالا كالقطا نحو الموارد فيستعرضهم أهل الملك منهم، ويتنافسون في أثمانهم بما يخرج عن القيمة لا لقصد الإستعباد، إنما هو إكثاف للعصبية وتغليظ للشوكة، ونزوع إلى العصبية الحامية يصطفون من كل منهم بما يؤنسونه من شيم قومهم وعشائرهم. ثم ينزلونهم في غرف الملك ويأخدونهم بالمخالصة ومعاهدة التربية، ومدارسة القرآن وممارسة التعليم، حتى يشتدوا في ذلك. ثم يعرضونهم على الرمى والثقافة وركض الخيل في الميادين، والمطاعنة بالرماح والمطاعنة بالسيوف، حتى تشتد منهم السواعد وتستحكم الملكات، ويستيقنوا منهم المدافعة عنهم والاستماتة دونهم.فإذا بلغوا إلى هذا الحد ضاعفوا أرزاقهم، ووفروا من أقطاعهم وفرضوا عليهم إستجادة السلاح وإرتباط الخيول، والإستكثار من أجناسهم لمثل هذا القصد. وربما عمروا بهم خطط الملك، ودرجوهم في مراتب الدولة فيسترشح من يسترشح منهم لإقتعاد كرسي السلطان، والقيام بأمور المسلمين عناية من الله تعالى سابقة، ولطائف في خلقه سارية. فلا يزال نشو منهم يردف نشوا وجيل يعقب جيلا، والإسلام يبتهج بما يحصل به من الغناء، والدولة ترف أغصانها من نضرة الشباب. وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام، وأخوه العادل أبو بكر من بعده ثم بنوهم من بعدهم قد تناغوا في ذلك يما فوق الغاية. وإختص الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوكهم بالمبالغة في ذلك والإمعان فيه، فكان عامة عسكره منهم. فلما إنفض عشيره، وخذله
أنصاره، وقعد عنه أولياؤه وجنوده، لم يدع سببا في استجلابهم إلا أتاه من إستجادة المترددين إلى ناحيتهم، ومراضاة التجار في أثمانهم بأضعاف ثمنهم، وكان رقيقهم قد بلغ الغاية من الكثرة لما كان التتر قد دوخوا الجانب الغربي من ناحية الشمال، وأوقعوا بسكانه من الترك وهم شعوب القفجاق والروس والعلان والمولات وما جاورهم من قبائل جركس. وكان ملك التتر بالشمال يومئذ دوشي خان بن جنسكزخان قد أصابهم بالقتل والسبي فامتلأت أيدي أهل تلك النواحي برقيقهم، وصاروا عند التجار من أنفس بضائعهم والله تعالى أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق