2386
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد السابع: إسرائيل.. المستوطن الصهيوني
الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني
الباب الثالث: النظام السياسي الإسرائيلي
أعــــراض نتنياهــــو: الأســــباب
The Netenyahu Syndrome: Causes
ما الذي أتى بنتنياهو إلى سدة الحكم في الدولة الصهيونية عام 1996 ؟ للإجابة على هذا السؤال لابد أن نحيط بالقضية إحاطة كاملة وأن نأتي بمركب من الأسباب، لأن الإجابة أحادية البُعد لن تفي بالغرض، رغم أنها قد تكون مريحة للغاية.
1 - لا يمكن في البداية تجاهل الأسباب الإجرائية، أي تغيير طريقة الانتخاب ذاتها، فنتنياهو هو أول رئيس وزراء إسرائيلي يُنتخب بالاقتراع المباشر، وحسب طريقة الانتخاب المباشر هذه لا يمكن تنحية رئيس الوزراء إلا إذا وافق 81 عضواً في الكنيست (من مجموع 120 عضواً) على قرار عزله، على أن تُجرى انتخابات جديدة لرئيس الحكومة فقط خلال 60 يوماً. ويمكن سحب الثقة من رئيس الحكومة ومجلس الوزراء بأغلبية 61 عضواً في الكنيست على أن تُجرى انتخابات برلمانية جديدة خلال 60 يوماً (وهذا الإجراء الأخير لا يتطلب بالضرورة استقالة رئيس الوزراء). ولذا يرى البعض أن النظام السياسي الإسرائيلي أصبح نظاماً شبه ديكتاتوري، قزَّم الأحزاب والكنيست. وكان الهدف الذي ترمي إليه الأحزاب الكبيرة (العمل والليكود) التي مررت القانون الخاص بالانتخاب المباشر هو تحييد الأحزاب الصغيرة وتقوية رئيس الوزراء (في ظل التراجع المتزايد في قوة الحزبين الكبيرين). كان هذا هو الظن، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً. فالأحزاب الصغيرة ازدادت قوة، وخصوصاً أن رئيس الوزراء أصبح غير مسئول أمام هيئة حزبه أو البرلمان، الأمر الذي جعله «حراً» من حزبه. ولكن في الوقت نفسه «أكثر اعتماداً» على الأحزاب الصغيرة، التي تشكل القوة الجديدة في المجتمع (من 68 مقعد في الكنيست، يستند إليها نتنياهو، هناك 36 مقعد للأحزاب الصغيرة: 10 منها لشاس، و9 للحزب الديني القومي، أي أن أكثر من النصف في حزبين اثنين، وهما حزبان دينيان). وهذه الأحزاب الصغيرة سعيدة جداً بهذا الوضع ولا تريد عقد انتخابات أخرى بعد أن حققت هذا النصر، وبعد أن وقع رئيس الوزراء في قبضتها. فشارانسكي، على سبيل المثال، يُسمَّى الآن "الأستاذ 10%" لأنه قال إنه لو ثبت أن 10% مما يدور من إشاعات حول نتنياهو وحول فضيحة بار أون (بخصوص طريقة تغييبه كبار الموظفين) صحيحة فإنه سيقدم استقالته على الفور. ولكنه اكتشف أن ناخبيه، الذين صوتوا لصالحه، لا يهتمون بمثل هذه الأمور. وغني عن القول أن الأحزاب الدينية هي الأخرى لا تود إعادة الانتخابات فهي قد حصلت على المقاعد الوزارية التي تطمح إليها ولا يكف نتنياهو عن رشوتها. وكما يقول جدعون سامت (المعلق السياسي الإسرائيلي) إن جوهر المسألة ليس الأخطاء التي يرتكبها نتنياهو، وإنما شركاؤه في التحالف الذين يحاولون الحفاظ عليه بأى ثمن، ودون الخوض في أية مشاكل اجتماعية. (أما الوحيدون الذين لا يخشون سقوط نتنياهو فهي الأحزاب العربية). وقد طرد نتنياهو بالفعل «أمراء» أو «نبلاء» حزب الليكود (أبناء مؤسسي الحزب صانعو الملوك «كينج ميكرز king makers» في الاصطلاح الأمريكي) أمثال داني زئيف بيجين (ابن مناحم بيجين) ودان ميريدور (ابن يعقوب ميريدور) طردهم دون أن يتزعزع أو يردعه أحد إزاء هذا الوضع، هناك مبادرة مطروحة لتعديل قانون الانتخابات بحيث يمكن عزل رئيس الوزراء من منصبه بأغلبية 61 صوتاً مع عدم التسبب في حل الكنيست (وحل الكنيست يستلزم إجراء انتخابات برلمانية مبتكرة، لا ترغب الأحزاب - كما أسلفنا - في دخولها حالياً) وعقد تحالفاته الخاصة مع شارون. ثم تجاوز شارون نفسه وعيَّن يعقوب نئمان وزيراً للمالية وعضواً في مجلس الوزراء المصغر.
إزاء هذا الوضع، هناك مبادرة مطروحة لتعديل قانون الانتخابات بحيث يمكن عزل رئيس الوزراء من منصبه بأغلبية 61 صوتاً مع عدم التسبب في حل الكنيست (وحل الكنيست يستلزم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة لا ترغب الأحزاب - كما أسلفنا - في دخولها حالياً).
2 - لابد من الإشارة إلى ما سماه يهوشفاط هركابي «أعراض بركوخبا» وهي الحالة العقلية للإسرائيليين في مواجهة الأزمات. وقد توجَّه كثير من المفكرين الإسرائيليين إلى قضية الشخصية الإسرائيلية إبَّان الانتفاضة المباركة. وقد بعث بعض هؤلاء قضية عجز اليهود وافتقارهم للسلطة وذهبوا إلى أن الإسرائيليين، بل الشعب اليهودي بأكمله، يفتقرون إلى تقاليد الدولة، أي ممارسة الحكم (وهذا يعني افتقارهم إلى الحس التاريخي)، ويتسمون برفض معطيات الواقع دون أن يدركوا أن العدو له إرادة لابد أن تؤخذ في الحسبان، ويضعون سياستهم بشكل مجرد، حسب الاحتياجات الصهيونية وكأنهم يعيشون في فراغ [الأسطورة المعادية للتاريخ] ويتجاهلون النظام العالمي والأمن ومتطلباتهما من الآخرين. وكل هذا نابع من ضيق أفق يتعارض مع التاريخ.
3 - إسرائيل لم تعرف نفسها كمجتمع حرب ولا تعرف نفسها كمجتمع سلام ولا تريد أن تدفع مقابلاً للسلام وتدور في إطار الأسطورة التوراتية (كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في الجزء الثالث من كتابه المحادثات السرية). وكما يقول نتنياهو نفسه: "لقد انتخبني أغلبية الناخبين الإسرائيليين"، هل جنوا فجأة إذن؟ لو كانوا سعداء بأوسلو لما فعلوا ذلك. فأوسلو تحوي داخلها جرثومة هلاكها، فهي لا تمنح الإسرائيليين لا السلام ولا الأمن.
4 - ولكن من المفارقات التي تستحق التسجيل والملاحظة، أن هذا الجيل الجديد الذي يفر من الخدمة العسكرية ولا يكترث بها، هو جيل "أكثر عسكرية" كما يقول أفنيري شاليط (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العسكرية). ففي الأيام الأولى للاستيطان، كما يقول شاليط، كان الشعار السائد هو "فلتطلق النار ثم تذرف الدمع"، فالحرب كانت مفروضة على أبناء الجيل القديم (هكذا كان المستوطنون يظنون)، ولم تكن الحروب حروب اختبار. والحرب، كما كان الجميع يعرف، شيء رهيب. أما أعضاء الجيل الجديد، فقد خاضوا «حروب اختيار» كثيرة (غزو لبنان - قمع الانتفاضة)، أي حروب تمت بملء اختيار الإسرائيليين.
وقد وُلد أعضاء هذا الجيل فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل» ولذا فهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن الاحتلال بالقوة «مسألة طبيعية» وأن الضفة الغربية ليست أوكيوبايد occupied «أرضاً محتلة» وإنما هى أرض قومية توراتية ومن ثم هي أرض «متنازع عليها» disputed ديسبيوتيد (كما يقول المصطلح الأمريكي) وعلى اليهود الاحتفاظ بها ولا يحق لهم التنازل عنها أو التفاوض بشأنها. والعرب هنا هم «عرب يهودا والسامرة»، وبالتالي «خرق حقوقهم» لا يشكل مشكلة أخلاقية بالنسبة لهم.
وأعضاء هذا الجيل لا يختلفون كثيراً عن نتنياهو الذي صرح قائلاً: "ليس هناك أي نهر أو بحر يفصل الضفة الغربية عن باقي الأراضي الإسرائيلية. إنها جزء من دولة إسرائيل نفسها. إن الضفة الغربية هي مركز البلاد... إنها فناؤنا الخلفي وليست أرضاً غريبة عنا". بل أضاف قائلاً: "إن المناطق غير المأهولة أو ذات الكثافة السكانية القليلة ستشكل في إطار التسوية الدائمة مناطق أمنية ذات تواصل جغرافي وقرر ضرورة الحفاظ على ممرات أمنية وطرق تربط المستوطنات بعضها ببعض". واستخدام الصور المجازية المكانية يدل على ضمور الإحساس بالزمان والتاريخ عند نتنياهو (وهو في هذا لا يختلف عن أبناء جيله) الذين لا يرون إلا الأرض وأمن إسرائيل ولا يدركون الماضي أو المستقبل أو العرب من حولهم.
5 - من خصائص هذا الجيل أن أعضاءه لم يشعروا قط بالعداء للسامية،أي بالعداء لليهود (ومع هذا فهم جيل أكثر ميلاً لليمين). وقد نُشر مقارنة بين الشباب الألمان والشباب الإسرائيلي، وتبين أن الشباب الإسرائيلي أكثر عنصرية تجاه الأجانب من الألمان، وهم لا يهتمون بما يُسمَّى «عقلية المنفى» بل لا يفهمون يهود المنفى (أي يهود العالم) ولا يفهمون لغتهم أو خطابهم أو شكواهم. والمفارقة الناجمة عن هذا أن كثيراً من القضايا التي تهم يهود المنفى لا تهم أعضاء هذا الجيل من قريب أو بعيد. فهم لا يكترثون باليهودية أو هيمنة الأرثوذكس على أمور الدفن والطلاق والزواج والتهويد (فهم علمانيون شاملون عالميون، لا يهتمون بالقضايا المحلية ولا يكترثون بمثل هذه الأمور).
6 - اتهم نتنياهو اليساريين بأنهم نسوا "معنى أن يكون المرء يهودياً" (عبارة همس بها رئيس الوزراء في أُذن أحد الحاخامات). ولكن هل يعرف جيل نتنياهو معنى اليهودية؟ هل تعني اليهودية شيئاً له؟ إن تصور أن التجمُّع الصهيوني أصبح «أكثر يهودية» و«أكثر تقليدية» بظهور نتنياهو، هو - في رأينا - تصور خاطئ. فهو في واقع الأمر قد أصبح «أكثر انغلاقاً» دون أن يصبح أكثر تقليدية أو تديناً، والربط بين الواحد والآخر ليس بالضرورة له قيمة تفسيرية كبيرة. فما يحدث في التجمع الصهيوني، ليس محاولة للعودة للتقاليد بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي محاولة أعضاء هذا التجمُّع أن يجدوا جذوراً لهم «روتس roots» تبرر لهم وجودهم، وأرضية صلبة يمكنهم الوقوف عليها (وهو أمر شائع في كل المجتمعات الاستيطانية). ولذا قال كثير من المعلقين إن انتخابات 1996 لم تكن انتخابات خاصة بـ «المصالح السياسية» (الاجتماعية والاقتصادية) وإنما كانت انتخابات خاصة بالهوية (وهو قول قد لا نتفق معه، ولكننا نقتبسه بسبب دلالته). وقد وُصف أعضاء التحالف الجديد المؤيد لنتنياهو بأنهم «غرباء في بلادهم»، فهم قد يشكلون الأغلبية العددية إلا أنهم يعاملون معاملة الأقلية من قبل اليسار الإشكنازي، الذي يعتبر المستوطن الصهيوني وطناً له، وأرض أجداده.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق