2385
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد السابع: إسرائيل.. المستوطن الصهيوني
الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني
الباب الثالث: النظام السياسي الإسرائيلي
بنيامـــين نتنياهـــــو (1949 (–
Benjamin Netenyahu
زعيم صهيوني من أبرز زعماء النخبة الجديدة إن لم يكن أبرزهم جميعاً. وُلد في تل أبيب، وحصل على شهادة في المعمار وماجستير في إدارة الأعمال من الـ M. I.T. (معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة)، وهو يتباهى دائماً بالشهادات الجامعية التي حصل عليها من الولايات المتحدة. تزوج ثلاث مرات، الأخيرة منهن من سارة، وهي مضيفة قابلها في إحدى سفرياته (وقد اعترف بخياناته الزوجية المتكررة) وسلوك سارة نفسها أصبح موضوعاً متداولاً في الصحف الإسرائيلية. عيَّنه موشيه أرينز، حينما كان وزيراً للخارجية، الرجل الثاني في الوزارة، ثم سفيراً لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث أصبح شخصية تليفزيونية معروفة للإعلام الأمريكي وليهود الولايات المتحدة وأثريائها مثل رونالد لاودر، صاحب بيزنيس أدوات التجميل، وإرفنج موسكوفيتش، بليونير البنجو الذي يبني الآن المستوطنات "المحظورة" حول القدس (يعارض 85% من يهود أمريكا نتنياهو حسب بعض الإحصاءات). فكر نتنياهو أن ينخرط في سلك رجال الأعمال، ولكنه بدلاً من ذلك (وعند موت أخيه) هاجر إلى إسرائيل وخدم في إحدى وحدات الكوماندوز العسكرية تحت إمرة إيهود باراك. ثم أصبح نائباً لوزير الإعلام في مكتب رئيس الحكومة عام 1993 ومنها أصبح رئيساً لحزب الليكود ورئيساً للوزراء!
وعادةً ما تثار قضية أسرة نتنياهو، لذا يجدر بنا أن نذكر أولاً موت أخيه يوناثان في الغارة على مطار عنتيبي (يُقال إنه كان قائد الحملة). وكان يوناثان هذا هو كبير الأسرة وحامل لوائها، أما أبوه بنزيون نتنياهو (الذي بلغ السابعة والثمانين ولا يزال نشيطاً ثقافياً) فكان شخصية محافظة متسلطة، من أتباع الزعيم التصحيحي الفاشي فلاديمير جابوتنسكي. ولكنه اختلف مع بيجين وجماعته وقضى بقية حياته شبه منفي (بشكل طوعي) في الولايات المتحدة حيث عاش بالقرب من فيلادلفيا وقضى حياته يكتب دراسته عن محاكم التفتيش الإسبانية (عنوان كتابه هو: أصول التفتيش الإسباني في القرن الخامس عشر). وجوهر أطروحة دراساته هو أن اليهودي الذي يحاول الاندماج يُقابل دائماً بكراهية عميقة نحو شخصه ونحو الجنس اليهودي ككل. فاليهودي هو الهدف الأزلي لكره الأغيار، ولأنه لا يملك الهروب من هذا الوضع، لذا يجب عليه أن يحيط نفسه "بحائط فولاذي" (كما قال جابوتنسكي) وألا يعهد بأمنه للآخرين.
كل هذه الحقائق الذاتية في سيرة نتنياهو هي أيضاً حقائق موضوعية، ويمكن إثارة قضية خلفيته العائلية ومدى تأثيرها على تركيزه الزائد على الإرهاب. (بعد موت يوناثان نظم نتنياهو مؤتمراً عن الإرهاب وكتب عدة كتب عن الموضوع). ألا يوحي هذا بأن أباه، التصحيحي الكاره للأغيار، قد شكل رؤيته. وكما يقول أحد أعداء نتنياهو (يوري درومي، المتحدث الرسمي باسم الحكومة أيام رابين) "كيف يمكن أن تتكيف مع عملية السلام، إن كنت قد نشأت وترعرعت مع أفكار الصراع؟ إن اختفى الصراع، ماذا يبقى إذن؟". رغم كل هذا يحاول نتنياهو أن يتملص من ماضيه دائماً، وأن ينكر أن هذا الماضي قد ساهم في تشكيل آرائه بشكل جذري.
ونتنياهو هدف لنكت الكثير من أعضاء اليسار الإسرائيلي والمؤسسة الليبرالية، فقد قارنه شاليف (الكاتب بجريدة معاريف) بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، في مراوغته، ومقدرته على الاحتيال والهروب في الوقت نفسه. أما يوئيل ماركوس (من هآرتس) فهو يرى أن نتنياهو قد بدأ يتجه بإسرائيل نحو الكارثة، يساعده في ذلك معاونوه (استغنى نتنياهو عن خبراء الليكود وكوَّن مجموعة صغيرة من المستشارين).
وهناك من يتحدث عن "رئيس الوزراء التيفلون" (أي الذي لا يلصق بعقله شيء. وهي نكتة أُطلقت أول ما أُطلقت على الرئيس الأمريكي رونالد ريجان)، وهناك من يُسميه virtual prime minister. وكلمة «فرتشوال» أخذت من عالم الكمبيوتر، وتُستخدم للإشارة إلى virtual reality أي «ما يشبه الحقيقة»، فهو ليس برئيس وزراء حقيقي، وإنما «يشبه رئيس الوزراء» أو «يكاد يكون رئيس الوزراء» أو «رئيس الوزراء بالكاد». ولعل أسوأ الأوصاف هو الوصف الذي أُطلق عليه بعد فشل عملية عمان، أي محاولة اغتيال خالد مشعل إذ أطلق عليه أحدهم عبارة سيريال بلاندرر serial blunderer وهي تنويع على عبارة سيريال كيلر serial killer أي المجرم الذي يقتل حسب خطة مسبقة وتتبع جرائمه نمطاً محدداً. ونتنياهو بهذا المعنى ليس مجرماً وإنما "مخطئاً" يرتكب الأخطاء/الجرائم الواحدة تلو الأخرى، تماماً مثل المجرمين، وإن كان تصور أن هناك خطة محكمة للأخطاء أمر مشكوك فيه. (ولا ندري أي أسماء جديدة حصل عليها رئيس الوزراء المنكود بعد فشل عملية سويسرا؟).
ما هـذه الأخطــاء من وجهة نظــر اليسار الليبرالي الإشكنازي؟ أهم هذه الأخطاء هي إيقاف عملية أوسلو، الأمل الوحيد في سلام دائم بالنسبة لهم. واستمراراً لصورة serial blunderer يسأل هؤلاء المعلقون: هل فعل نتنياهو ذلك عمداً، أم من خلال الخطأ المستمر؟ هل هو ثعبان أم غبي؟ (على حد قول يوري أفنيري).
ولكن من نتنياهو هذا؟ ينطلق نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس وغيره من الدراسات من الرؤية الصهيونية القائمة على أحقية اليهود المطلقة فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل التاريخية» ويساندها رؤية صهيونية داروينية تؤكد أن إسرائيل انتصرت في كل الحروب ضد العرب (الذين فقدوا التخلف الدولي القديم). ثم يأتي نتنياهو بالشواهد التاريخية والجيوسياسية والتلمودية التي تساند وجهة نظره. ثم وعلى عادة الصهاينة لا يكتفي نتنياهو بذلك بل يذكِّر الجميع بمأساة الشعب اليهودي والهولوكوست، ثم يؤكد، في الوقت نفسه، قدرة هذا الشعب على النهوض. ويعلن نتنياهو بلا مواربة أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، وعقد سلام مع العرب مثل وضع سمك في صندوق من الزجاج، ثم تنتظر أن يتعلم هذا السمك ألا ترتطم رأسه بحائط الصندوق الزجاجي. واستخدام الصور المجازية المستمدة من الطبيعة للحديث عن العرب هو مسألة مألوفة في الخطاب الصهيوني بكل ما تحمل هذه الصور من حتمية وكل ما تنطوي عليه من تغييب للعرب. ويرى نتنياهو ضرورة إجبار العرب على الإذعان للاعتراف بوجود إسرائيل عبر استخدام سلاح الردع، فالسلام الوحيد الذي يمكن أن يُقام مع العرب هو «سلام الردع» مقابل «سلام الديموقراطيات» الذي لا يصلح مع العرب، فإسرائيل دولة ديموقراطية غربية في بيئة إقليمية معادية بدائية (وهذا يماثل كلام إيهود باراك عن ديموقراطية إسرائيلية وسط غابة من الأحراش)، ومستقبل إسرائيل يكون بالتحصن داخل «الستار الفولاذي» (عبارة جابوتنسكي التي اقتبسها بنزيون نتنياهو) وإعادة الأولوية لفكرة العمق الإستراتيجي الجغرافي وعدم الانفتاح على هذه البيئة، مع ضَبْط التفاعلات في المحيط الإقليمي على النحو الذي يحقق مصالح إسرائيل الحيوية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق