1642
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الخامس: اليهودية.. المفاهيم والفرق
الجزء الثاني: المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية
الباب الثامن عشر: الأعياد اليهودية
عيد رأس السنة اليهودية (روش هشاناه)
Rosh Hashanah
«عيد رأس السنة اليهودية» هو عيد «روش هشَّاناه» بالعبرية، أي «رأس السنة». وهو عيد يُحتفَل به لمدة يومين في أوَّل تشري (سبتمبر/أكتوبر). وقد ورد في المشناه أربعة أيام أخرى باعتبارها «رأس السنة»:
1 ـ أوَّل نيسان: أول العام وهو لتحديد حكم الملوك العبرانيين، ولتحديد الأعياد (التقويم الديني). ولذا، فإن اعتلى ملك العرش في شهر آدار،وهو آخر شهور التقويم الديني، فإن الشهر الذي يليه يشكل العام الثاني من حكمه.وعيد الفصح حسب هذا التقويم أوَّل أعياد السنة،وليس عيد رأس السنة. ويذكر التلمود أن أوَّل نيسان هو أيضاً رأس السنة لشراء القرابين بالشيقل التي يتم جمعها في آدار.
2 ـ أوَّل إيلول: هو أوَّل العام لدفع عشور الحيوانات، إذ كانت تُدفَع العشور عن الماشية التي تُولَد بين أوَّل إيلول وآخر آف.
3 ـ أوَّل تشري: أوَّل العام المدني، وتتضمن أيضاً حساب حكم الملوك الأجانب، ولحساب السنة السبتية، وعام اليوبيل. ويُحرَّم الزرع والحصاد منذ أوَّل هذا الشهر. كما يُعَدُّ تشري رأس السنة من الناحية الدينية. ويرى بعض الحاخامات أن أوَّل تشري هو رأس السنة بالنسبة إلى دفع عشور الحيوانات أيضاً، وبالتالي فلا يوجد سوى ثلاثة رؤوس للسنة حسب هذا الرأي.
4 ـ أوَّل شفاط (أو منتصف شفاط): رأس السنة للأشجار باعتبار أنه في ذلك اليوم تسـقط أكـبر كمية من الأمطار حسبما ورد في التلمود.
ومع ذلك، فإن اليهود لا يحتفلون إلا برأس السنة التي تقع أول تشري، وهي وحدها التي يُشار إليها باسم «روش هشَّاناه».
وحينما يعد يهودي شهور السنة، فإنه لا يبدأ بتشري الذي يُحتفَل فيه برأس السنة، وإنما يبدأ بنيسان (أوَّل شهور التقويم الديني)، وربما كان هذا يعود إلى أن نيسان قد ورد ذكره في التوراة على أنه رأس الشهور. وهو كذلك الشهر الذي يُحتفَل فيه بالخروج، أهم أحداث التاريخ المقدَّس عند اليهود، وهو التاريخ الذي تم فيه خلق العالم (والحاخامات لا يتفقون جميعاً مع هذا الرأي). وهكذا تقع رأس السنة في سابع شهورها. ويشير العهد القديم إلى هذا اليوم باعتباره أوَّل يوم في سابع شهر (لاويين 23/24). ويعود هذا التناقض إلى أن الحضارة العبرانية كانت تدور في فلك الحضارة البابلية المتفوقة التي صبغت الشرق الأدنى القديم بصبغتها. وكان شهر تشري رأس السنة بالنسبة إلى البابليين («تشرينو» تعني «البداية» في اللغة البابلية) الذين كانوا يعتقدون أن كل آلهتهم تجتمع في ذلك اليوم في معبد مردوك (كبير الآلهة) لتجديد العالم، وللحكم على الأفراد والشعوب. وقد تبع العبرانيون البابليين في ذلك، وكان هذا اليوم، أي «روش هشَّاناه»، يُسمَّى «يوم هازيخارون» (يوم التذكر والذكرى) أو يوم «هدين» (يوم الحساب). وهو لم يُسمَّ باسمه هذا إلا في المشناه، أي في مرحلة لاحقة (وفي هذه يتبدَّى ما نسميه تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي).
وليس لعيد رأس السنة ذكرى تاريخية معيَّنة، كما أنه لا يُعتبَر أهم من الأعياد اليهودية الأخرى. ومع هذا، فقد اكتسب هذا العيد دلالة دينية وقدسية خاصة. فلقد جاء في المشناه أنه اليوم الذي بدأ فيه الإله خلق العالم (ولكن، حسب رواية أخرى، بدأ خلق العالم في نيسان)، وهو اليوم الذي تمر فيه المخلوقات كقطيع الغنم أمام الإله. ومن ثم، فعلى اليهودي أن يحاسب نفسه في هذا اليوم عما ارتكبه من ذنوب (وفي هذه الشعائر أصداء بابلية). وعيد رأس السنة أوَّل أيام التكفير التي يبلغ عددها عشرة، والتي تنتهي بأقدس يوم لدى اليهود على الإطلاق، وهو يوم الغفران (يوم كيبور). ويُحيِّي اليهود بعضهم بعضاً في عيد رأس السنة اليهودية بقولهم: « فليُكتب اسمك هذا العام في سجل الحياة السعيدة ». ومن أهم طقوس ذلك اليوم النفخ في النفير (شوفار)، حيث ينفخون فيه بثلاثة أصوات مختلفة لكل صوت منها دلالته الخاصة. وهم في هذا اليوم أيضاً، يرتدون الثياب البيضاء أثناء الصلاة.
ويرتبط كثير من التقاليد اليهودية بهذا العيد، فمثلاً تُجهز أطباق من الطعام ذات دلالة معيَّنة، كالخبز والتفاح المغموس في العسل، والذي يؤكل مع تلاوة صلوات تعبِّر عن الأمل في سنة حلوة قادمة، أو يُقدَّم رأس حيوان حتى يكون المرء هو الرأس دائماً ولا يكون الذنب أبداً. أما في اليوم التالي من العيد، فلابد له أن يذوق فاكهة جديدة لم يسبق له أن أكلها طوال الموسم الماضي. وهناك تقليد يُتَّبع أيضاً في هذا العيد، إذ يذهب اليهود عصر ذلك اليوم إلى الأنهار، أو أي مكان فيه مياه جارية، ليتلوا الصلوات ويُلقوا خطايا العام المنصرم إلى المياه لتحملها بعيداً، وبذلك يبدأون العام الجديد بلا ذنوب. ويُقال أيضاً في تفسير هذا التقليد إن أسماك الأنهار وعيونها المفتوحة دائماً تُذكِّر الناس بعين الإله الساهرة التي لا تغفل عن مراقبة مخلوقاته (هذه عادة شائعة بصفة خاصة بين الجماعات الإشكنازية، وهي ترجع إلى القرن الرابع عشر وتُسمَّى «تشليخ»). ومن الجدير بالذكر أن رأس السنة اليهودية هو العيد الوحيد الذي يُحتفَل به في إسرائيل لمدة يومين على التوالي. وقد بدأت حركات تحرير المرأة بين اليهود في القيام باحتفال «تشليخ» مقصور على النساء اليهوديات وحدهن دون الرجال.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق