157
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الاول
ذكر غزوة طيئ
في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علي بن أبي طالب في سرية إلى ديار طيئ وأمره أن يهدم صنمهم الفلس فسار إليهم وأغار عليهم فغنم وسبى وكسر الصنم وكان متقلدًا سيفين يقال لأحدهما مخذم وللآخر رسوب فأخذهما علي وحملهما إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان الحارث بن أبي شمر أهدى السيفين للصنم فعلقا عليه وأسر بنتًا لحاتم الطائي وحملت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة فأطلقها.
وأما إسلام عدي بن حاتم فقال عدي: جاءت خيل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخذوا أختي وناسًا فأتوا بهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت أختي: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك.
فقال: ومن وافدك قالت: عدي بن حاتم.
قال: الذي فر من الله ورسوله! فمن عليها وإلى جانبه رجل قائم وهو علي بن أبي طالب قال: سليه حملانًا.
فسألته فأمر لها به وكساها وأعطاها نفقة.
قال عدي: وكنت ملك طيئ آخذ منهم المرباع وأنا نصراني فلما قدمت خيل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هربت إلى الشام من الإسلام وقلت أكون عند أهل ديني فبينا أنا بالشام إذ جاءت أختي وأخذت تلومني على تركها وهربي بأهلي دونها ثم قالت لي: أرى أن تلحق بمحمد سريعًا فإن كان نبيًا كان للسابق فضله وإن كان ملكًا كنت في عز وأنت أنت.
قال: فقدمت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسلمت عليه وعرفته نفسي فانطلق بي إلى بيته فلقيته امرأة ضعيفة فاستوقفته فوقف لها طويلًا تكلمه في حاجتها فقلت: ما هذا بملكٍ ثم دخلت بيته فأجلسني على وسادة وجلس على الأرض فقلت في نفسي: ما هذا ملك.
فقال لي: يا عدي إنك تأخذ المرباع وهو لا يحل في دينك ولعلك إنما يمنعك من الإسلام ما ترى من حاجتنا وكثرة عدونا والله ليفيضن المال فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ووالله لتسمعن بالمرأة تسير من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف إلا الله ووالله لتسمعن بالقصور البيض من بابل وقد فتحت.
قال: فأسلمت فقد رأيت القصور البيض وقد فتحت ورأيت المرأة تخرج إلى البيت لا تخاف إلا الله ووالله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يقبله أحد.
ذكر قدوم الوفود على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما افتتح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة وأسلمت ثقيف وفرغ من تبوك ضربت إليه وفودٌ من كل وجه وإنما كانت العرب تنتظر بإسلامها قريشًا إذ كانوا أمام الناس وأهل الحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام لا تنكر العرب ذلك وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلافه فلما فتحت مكة وأسلمت قريش عرفت العرب أنها لا طاقة لها بحرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عداوته فدخلوا في الدين أفواجًا كما قال الله تعالى: «إذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوّاباَ» . «النصر: 1: 3» .
وقدمت وفودهم في هذه السنة قدم وفد بني أسد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا: أتيناك قبل أن ترسل إلينا رسولًا فأنزل الله تعالى: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا» «الآية الحجرات: 17» .
وفيها قدم وفد بلي في شهر ربيع الأول.
وفيها قدم وفد الزاريين وهم عشرة نفر.
وفيها قدم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفد بني تميم مع عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس وفيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم والختات ومعتمر بن زيد في وفد عظيم ومعهم عيينة بن حصن الفزاري فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخرج إليهم فقالوا: جئنا نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا فأذن لهم فقام عطارد فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله الذي جعلنا ملوكًا ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددًا فمن فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لثابت بن قيس: أجب الرجل.
فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي له السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا واصطفى من خير خلقه رسولًا أكرمهم نسبًا وأصدقهم حديثا وأفضلهم حسبًا فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله تعالى من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس نسبًا وجوهًا وخير الناس فعالًا.
ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا وكان قتله عينا يسيرًا والسلام عليكم.
فقالوا: يا رسول الله ائذن لشاعرنا فأذن له فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا منّا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الأحياء كلّهم عند النّهاب وفضل العرب يتّبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا من الشّواء إذا لم يؤنس القزع بما ترى النّاس تأتينا سراتهم من كلّ أرضٍ هويًّا ثمّ نصطنع فننحر الكوم عبطًا في أرومتنا للنّازلين إذا ما أنزلوا شبعوا إنّا أبينا ولن يأبى لنا أحدٌ إنّا كذلك عند الفخر نرتفع فمن يفاخرنا في ذاك يعرفنا فيرجع القول والأخبار تستمع قال: وكان حسان بن ثابت غائبًا فدعاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليجيب شاعرهم.
قال حسان: فلما سمعت قوله قلت على نحوه:
إن الذّوائب من فهرٍ وإخوتهـم ** قد بيّنوا سنّةً للنّاس تتّبـــــع
قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ** أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ** تقوى الإله وكلّ البرّ يصطنــع
سجيّةٌ تلك منهم غير محدثةٍ ** إنّ الخلائق فاعلم شرّها البــدع
إن كان في النّاس سبّاقون بعدهم ** فكلّ سبقٍ لأدنى سبقهم تبــــع
لا يرقع النّاس ما أوهت أكفّهم ** عند الدّفاع ولا يوهون ما رقــعوا
إن سابقوا النّاس يومًا فاز سبقهم ** أو وازنوا أهل مجدٍ بالنّدى متــعوا
أعفّةٌ ذكرت في الوحي عفّتهم ** لا يطمعون ولا يزري بهم طمــع
لا يبخلون على جارٍ بفضلهم ** ولا يمسّهم من مطمعٍ طبـــــع
أكرم بقومٍ رسول الله شيعتهم ** إذا تفرّقت الأهواء والشّيـــــع
فإنّهم أفضل الأحياء كلّهم ** إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعــوا
فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتىً له خطيبهم أخطب من خطيبنا وشاعرهم أشعر من شاعرنا ثم أسلموا وأجازهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيهم أنزل الله تعالى: «إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» الآيات «الحجرات: 4» .
الختات بالخاء المعجمة وتائين كل واحدة منهما معجمة باثنتين من فوق.
وعيينة بضم العين المهملة وبائين كل واحدة منهما مثناة من تحت ونون.
وفيها قدم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب ملوك حمير مقرين بالإسلام مع رسولهم الحارث بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين وهمدان فأرسل إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم وكتب إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمرهم بما عليهم في الإسلام وينهاهم عما حرم عليهم.
وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزلوا على المقداد بن عمرو.
وفيها قدم وفد بني البكاء.
وفيها قدم وفد بني فزارة فيهم خارجة بن حصن.
وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ.
وفيها قدم وفد سعد بن بكر وكان وافدهم ضمام بن ثعلبة فسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شرائع الإسلام وأسلم فلما رجع إلى قومه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة فلما قدم على قومه اجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى! فقالوا: اتق البرص والجذام والجنون.
فقال: ويحكم إنهما لا يضران ولا ينفعان وإن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا وقد استنقذكم به مما كنتم فيه وأظهر إسلامه فما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل مشرك ولا امرأة مشركة فما سمع بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق