( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 55
فيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين؛ فإنه حدث في الملك أمر زال به النظام، وانقضت به الأحكام والشرائع ومنِع من الجهاد إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهوأن نابغاَ نبغ فيهم من غير بيت الملك كان في بعض مدائن الصين يُقال له يانشو، وكان شريراً يطلب الفتنة، ويجتمع إليه أهل الدعارة والشر، فلحق الملِكَ وأربابَ التدبير غفلةٌ عنه، لخمول ذكره، وأنه ممن لا يُالى به، فاشتد أمره، ونما ذكره، وكثر عتوُّه، وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه، وعظم جيشه، فسار من موضعه، وَشَنَّ الغارات على العمائر حتى نزل مدينة خانقوا، وهي مدينة عظيمة على نهر عظيم أكبر من دجلة يصب إلى بحر الصين، وبين هذه المدينة وبين البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة، تدخل هذا النهر سفن التجار الواردة من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائر الزابج والصنف وغيرها من الممالك بالأمتعة والجهاز، وتقرب إلى مدينة خانقوا، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس، وغير ذلك من أهل الصين فقصد هذا العدو إلى هذه المدينة فحاصرها، وأتته جيوش الملك فهزمها، واستباح ما فيها، فكثرت جنوده، وافتتح مدينة خانقوا عَنْوَة، وقتل من أهلها خلقاً لا يُحْصَوْنَ كثرةً، وأحصى من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس ممن قتك وغرق خوف السيف فكان مائتي ألف، وإنما أحصى ما ذكرناه من هذا العدد لأن ملوك الصين تحصي مَنْ في مملكتها من رعيتها، وكذا مَنْ جاورها من الأمم ليصير ذمة لها في دواوين لها، بكُتَّابِ قد وكِّلوا بإحصاء ذلك لما يراعون من حياطة مَنْ شمِلد ملكهم، وقَطَع هذَا العدو ما كان حول مدينة خانقوا من غابات شجر التوت إذ كان يحتفظ به لما يكون من ورقه، وما يطعم منه لدود القز الذي ينتج منه الحرير، فكان ذهاب الشجر داعياً إلى انقطاع الحرير الصيني وجهازه إلى ديار الإِسلام.وسار يانشو بجيوشه إلى بلد بلد فافتتحه، وانضاف إليه أمم من الناس ممن يطلب الشر والنهب وغيرهم ممن يخاف على نفسه، وقصد مدينة أنموا، وهي دار الملك، فخرج إليه الملك في نحو مائة ألف ممن بقي معه من خواصه والتقى هو ويانشو وكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من شهر، وصبر الفريقان جميعاً، ثم كانت على الملك فلَّى منهزماً، وأمعن الخارجي في طلبه، فانحاز الملك إلى مدينة في أطراف أرضه، واستولى الخارجي على الحَوْزَة، واحتوى على ديار الملك، وملك خزائن الملوك السالفة، وما أعحوه للنوائب، وشن الغارات في سائر العمارات، وافتتح المدن، وعلم أن لا قوام له بالملك؛ إذ كان ليس من أهله، فأمعن في خراب البلاد واستباحة الأموال، وسَفْك الدماء، وكاتب ملكُ الصين من المدينة التي انحاز إليها المًتَاخمة لبلاد التبت، وهي مدينة مد المتقدم ذكرها، مَلِكَ الترك ابن خاقان فاستنجده، وأعلمه ما نزل به، وأعلمه ما يلزم الملوك من الواجبات إذا استنجدها إخوانها من الملوك، وأن ذلك من فرائض الملك وواجباته، فأنجده ابن خاقان بولد له بنحو من أربعمائة ألف فارس ورجل، وقد استفحل أمر يانشو، فالتقى الفريقان جميعاً، فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، وتفانى من الفريقين خلق كثير، ففقد يانشو، فقيل: إنه قتل، وقيل: إنه أحرق، وأسر ولده والخواص من أصحابه، وسار ملك الصين إلى دار المملكة وعاد إلى ملكه والعأمة تسمية يعبور، وتفسير ذلك ابن السماء تعظيماً له، وهو الاسم الأخص لملوك الصين، والذي يخاطبون به جميعاً جحان، ولا يخاطبون بيعبور، وتغلَّبَ كل صاحب ناحية من عمله على ناحيته، كتغلب ملوك الطوائف حين قَتَلَ الإِسكندر بن فيلبوس المقدوني دارا بن دارا ملك فارس، وكنحو ما نحن بسبيله في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة-فرضي ملك الصين منهم بالطاعة له، ومكاتبته بالملك، ولم يتأتّ له المسير إلى سائر أعماله، ولا محاربة من تغلب على بلاده، وقنع بما وصفنا، وامتنع مَنْ ذكرنا من حمل الأموال إليه فتاركهم مسالماً لهم، وعدا كل فريق منهم على ما يليه على حسب قوته وتمكنه فعدم انتظام الملك واستقامته على حسب ما سلف من ملوكهم.وقد كان لمن سلف من ملوكهم سير وسياسات للملك، وانقياد للعدل، على حسب ما توجبه قضية العقل.وحكي أن رجلاً من التجار من أهل مدينة سمر قند من بلاد خراسان خرج من بلاده، ومعه متاع كثير، حتى انتهى
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق