إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 509 جماعة المغنين عند الرشيد


 
( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 509


 جماعة المغنين عند الرشيد
 

  وحدث إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يومٍ المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت فيهم، وحضر معنا مسكين المدني، ويعرف بأبي صدقة، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعاً حذذقاً، طيب العشرة، مليح البادرة، فاقترح الرشيد وقد عمل فيه النبيذ صوتاً، فأمر صاحب الستارة ابنَ جامعٍ أن يغنيه، ففعل، فلم يطرب عليه، ثم فعل مثل ذلك بجماعة ممن حضر، فلم يحرك منه أحد، فقال صاحب الستار لمسكين المدني: يأمرك أمير المؤمنين إن كنت تحسن هذا الصوت فغنيه. قال إبراهيم: فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعاً مُتعجبين من جراءة مِثله على الغناء بحضرتنا في صوت قد قصرنا فيه عن مراد الخليفة، قال إبراهيم: فلما فرغ منه سمعت الرشيد يقول وقد رفع صوته: يا مسكين أعده، فأعاده بقوة ونشاط واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان فقال الرشيد: أحسنت واللّه يا مسكين وأجملت، ورفعت الستارة بيننا وبينه قال مسكين: يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت خبراً عجيباً قال: وما هو. قال: كنت عبداً خيّاطاً لبعض آل الزبير، وكان لمولاي عليَّ ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا دفعت ضريبتي تصرفت في حوائجي، وكنى مُولَعاً بالغناء محباً له فخطت يوماً قميصاً لبعض الطالبِيِّينَ، فدفع إلي درهمين وتغديت عنده وسقاني أقداحاً، فخرجت وأنا جذلان، فلقيتني سوداء على رقبتها جَرَّة وهي تغني هذا الصوت، فأذهلني عن كل مُهِمٍّ وأنساني كل حاجة، فقلت: بصاحب هذا القبر والمنبر إلا ألقيْتِ عليَّ هذا الصوتَ، فقالت: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لا ألقيته عليك إلا بدرهمين، فأخرجت واللّه يا أمير المؤمنين الدرهمين فدفعتهما إليها فأنزلت الجرة عن عاتقها واندفعت، فما زالت تردده حتى كأنه مكتوب في صدري، ثم انصرفتُ إلى مولاي، فقال لي هَلمَّ خراجك، فقلت: كان وكان، فقال: يا ابن اللخناء. ألم أتقدم إليك إني لا أقبل لك عذراً في حبة تكسرها. وبَطَحَنِي وضربني خمسين جريدة بأشد ضرب يكون وحلق لحيتي ورأسي، فبتُّ يا أمير المؤمنين من أسوأ خلق اللّه حالاً، وأنسيت االصوت مما نالذي فلما أصبحت غدوت نحو الموضع الذي لقيتها فيه وبقيت متحيراً لا أعرف اسمها ولا منزلها، إذ نظرتُ بها مقبلة، فانسيت كل ما نالذي وملت إليها، فقالت: أنسِيت الصوت ورَبِّ الكعبة، فقلت: الأمر كما ذكرت، وعرفتها ما مر بي من حلق الرأس واللحية، فقالت: وحق القبر ومن فيه لا فعلت إلا بدرهمين، فأخرجت جلمي ورهنته على درهمين، فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن رأسها واندفعت، فمرت فيه ثم قالت: كأني بك وقد أخذات مكان الآربعة دراهم أربعة ألاف دينار، من الخليفة، ثم إندفعت تغنيه وتوقع على جرتها، فلم تَزَل تردده حتى رسخ في صدري، ثم مضت، وانصرفت إلى مولاي وَجِلاً، فقال: هلم خراجك، فلويت لساني، فقال: يا ابن اللخناء، ألم يكفك ما مر عليك بالأمس، فقلت: إني أعرفك إني اشتريت بخراجي أمس واليوم هذا الصوت، واندفعت أغنيه، فقال لي: ويحك معك هذا الصوت منذ يومين ولم تعلمني، امرأته طالق لو كنت قلته أمس لاعتقتك فأما حلق الرأس واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك فقد وهبه اللهّ لك إلى إن ينبت شعرك، قال: فضحك الرشيد وقال: ويلك ما أدري أيما أحسن: حديثك، أم غناؤك. وقد أمرت لك بما ذكرته السوداء، فقبضه وانصرف والشعر:         
  قف بالمنازل ساعة فـتـأمـل                      هل بالديار لرائد من منـزل.
  ما بالديار من البلى فلقـد أرى                      فلسوف أحمل للبلى في محمل


 الرشيد يجري حلبة الخيل
 



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق