إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 505 العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين



( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 505


 العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين
 
  ويقال: أن العمانيَ الشاعر قام بحضرة الرشيد خطيباً فلم يزل يقرظ محمداً ويُحَرضه على تجديد العهد له، فلما فرغ من كلامه قال له: أبشر يا عماني بولاية العهد له، فقال: إي واللّه يا أمير المؤمنين سُرُور العُشْبِ بالغيث، والمراة البنورِ بالولد، والمريض المدنف بالبرء، لأنه نسيجُ وَحْدِه، وحامي مجده، وشبيه حده، قال: فما تقول في عبد الله.. قال: مَرْعًى ولا كالسَّعْدَان فتبسم الرشيد وقال: قاتله الله من أعرابي ما أعرفه بمواضع الرغبة، أما واللهّ إني لأتعرف في عبد الله حَزْمَ المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي، واللهّ لو شاء اللهّ أن أنسبه إلى الرابعة لنسبته إليها.

 حرص الرشيد على ولاية عهده

 قال الأصمعي: بينما أنا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيته قد قلق قلقاً شديداً فكان يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكي آخرى ثم أنشا يقول:         
  قَلِّد أمورعباد الـفـه ذا ثـقة                      موحَّدَ الرأي لا نكس ولا برم
  واترك مقالة أقوام ذوي خطل                      لا يفهمون إذا ما معشر فهموا فلما سمعت منه ذلك علمت أنه يريد أمراً عظيماً، ثم قال لمسرور الخادم: علي بيحيى، فما لبث أن أتاه فقال: يا أبا الفضل، إن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم مات في غير وصية والإسلام جَذَع، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة، قد آمنَهَا اللهّ تعالى بعد الخوف، وأعَزَهَا بعد الذل، فما لبث إن ارْتَدَّ عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد علمت، وأن أبا بكر صير الأمر إلى عمر، فسلّمتِ الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شُورَى فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى مَنْ أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وأمن ضعفه ووَهنه، وهو عبد اللّه، وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الإنقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضِيُّ الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن مِلْتُ إلى عبد اللّه أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا أبالأمر لم أمن تخليطه على الرعية. فأشِرْ عليَّ في هذا الأمر برأيك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد اللّه مُبَارك الرأي لطيف النظر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كل زلة مستقالة وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة، فأمرني بالتنحي، فقمت وقعدت ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلة حتى مضى الليل، وافترقا على إن عقد الأمر لعبد الله بعد محمد.
 ودخلت أم جعفر على الرشيد فقالت: ما أنصفت ابنك محمداً حيث وَلّيتْه العراق وأعْرَيته عن العمد والقواد، وصيرت ذلك إلى عبد اللّه دونه، فقال لها: وما أنت وتميز الاعمال واختبار الرجال. إني وَلّيت ابنك السِّلْم، وعبد اللّه الحرب، وصاحب الحرب أحْوَجُ إلى الرجال من المسالم، ومع هذا فإنا نتخوف ابنك على عبد اللّه، ولا نتخوف عبد اللّه على إبنك إن بويع.

 الرشيد يعلق كتاب العهد في الكعبة

 وفي سنة ست وثمانين ومائة خرج الرشيد حاجاً ومعه وَلِيَّا عَهْدِهِ: الأمين والمأمون، وكتب الشرطين بينهما وعَلَّقهما في الكعبة.
 وحكي عن ابراهيم الحَجَبيِّ إن الكتاب لما رفع ليعلق بالكعبة وقع، فقلت في نفسي: وقع قبلَ أن يرتفع، إن هذا الأمر سريع إنتقاضه قبل تمامه.
 وحكي عن سعيد بن عامر البصري قال: حججت في هذه السنة وقد استعضم الناسُ أمر الشرط والإيمان في الكعبة، فرأيت رجلاً من هُذَيْلٍ يقود بغيره وهو يقول:         
  وبيعة قد نكثت أيمَانهـا                      وفتنة قد سُعِّرَت نيرانها فقلت له: وَيْحك ما تقول. قال: أقول إن السيوف سَتُسَل، والفتنة ستقع، والتنازع في الملك سيظهر قلت: وكيف ترى ذلك. قال: أما ترى البعير واقفاً والرجلان يتنازعان والغُراأبان قد وقعا على الدَّم والتطخا به، واللّه لا يكون آخر هذا الأمر إلا محاربة وَشَرّاً.
 



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق