إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 504 بين الرشيد والكسائي


( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 504


 بين الرشيد والكسائي
 

  وقال الكسائي : دخلت على الرشيد، فلما قضيت حقَّ التسليم والدعاء وثَبْتُ للقيام، فقال: اقعد، فلم أزل عنده حتى خَفَّ عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا خاصته، فقال لي: يا عَلِي، ألا تُحِب أن ترى محمداً وعبد اللّه، قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين، وأسرنىِ بمعاينة نعمة اللّه عَلَى أمير المؤمنين فيهما، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هدوء ووقار، وقد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا عَلَى باب المجلس، فسلما عَلَى أبيهما بالخلافة، ودَعَوَا له بأحسن الدعاء. فأمرهما بالدُّنو منه فدنَوَا فصيَّرَ محمداً عن يمينه وعبد اللّه عن يساره، ثم أمرني ان استقرئهما وأسألهما، ففعلت، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته فيه. ثم قال لي: يا عليُّ، كيف ترى مذهبهما وجوابهما. فقلت: يا أمير المؤمنين هما كما قال الشاعر:         
  أرى قَمَريْ مَجْدٍ وفرعَيْ خلافة                      يزينهما عرق كريم ومحـتـد يا أمير المؤمنين هما فرع زكا أصله، وطاب مَغْرِسه، وتمكنت في الثرى عروقه، وعذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم، يحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فأمتع اللّه أمير المؤمنين بهما، وأنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما ثم قلت لهما: هلى ترويان من الشعر شيئاً. فقالا: نعم، ثم أنشدني محمد:         
  وإني لَعف الفقر مشترك الغـنـى                      وتارك شكل لايوافقـه شـكـلـي
  وأجعل مالي دون عِرْضِـيَ جـنَّة                      لنفسي، ومفضال بما كان من فضل ثم انشد عبد الله:         
  بكرت تلومُكَ مَطْلَعَ الفجر                      ولقد تلوم بغير ماتـدري
  مَلَكَ الأمورعليّ مقـتـدر                      يُعْطِي إذا ماشاء من يُسْر
  ولربَّ مغتبط بـمـرزئة                      ومفجع بنوائب الـدهـر
  وترى قَنَاتِي حين يغمدهـا                      عَضُّ الثقاف بطيئَةَ الكسر فما رأيت أحداً من أولاد الخلفاء وأغصان هذه الشجرة المباركة أذرب السنا ولا أحسن ألفاظاً ولا أشد اقتداراً على تأدية ما حفظا منهما، ودعوت لهما دعاء كثيراً، وأمنَ الرشيد على دُعَائِي، ثم ضمهما إليه، وجمع يده عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج، فلما خرجا أقبل عليَّ فقال: كأنك بهما وقد حمَّ القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، شد تشتّتتْ كلمتهما، واختلف أمرهما، وظهر تعاديهما، ثم لم يبرح ذلك بهما حتى تسفك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى، قلت: أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رؤي في أصل مولدهما أو لأثر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما، فقال: لا واللهّ إلا بأثر واجب حملته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.

 وصية الرشيد لمؤدب الأمين الأحمر النحوي
 قال الأحمر النحوي: بعث إليَ الرشيدُ لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال: يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصَيَّر َيدك عليه مبسوطَة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، اقرئه القرآن، وعرفه الأثار، وَرَوه ِالأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا إليه، وَرَفْع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرنَّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها، من غير أن تَخْرُق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فَيَسْتَحْلِيَ الفراغ ويألفه، وقوِّمْهُ ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهُمَا فعليك بالشدة والغلظة.

 العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين
 



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق