( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 495
بعض فضائل مصر وبعض أخبارها وبعض عيوبها
قال ابن دأب: ثم تغلغل بنا الكلام والحديث إلى أخبار مصر وعيوبها وفضائلها وأخبار نيلها، فقال لي الهادي: فضائلها أكثر، قلت: يا أمير المؤمنين هذه دعوى المصريين لها بغير برهان اوْرَدوه، والبينة على الدعوى، وأهل العراق يأبونَ هذه الدعوى، ويذكرون ان عيوبها أكثر من فضائلها، قال: مثل مإذا. قلت: يا أمير المؤمنين من عيوبها أنها لا تمطر، وإذا أمطرت كرهوا ذلك، وابتهلوا إلى اللّه بالدعاء وقد قال عز وجل: وهو الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بين يدَي ْرحمته فهذه رحمة مجللة لهذا الخلق وهم لها كارهون، وهي لهم ضارة غير موافقة لا يزكو عليها زرعهم ولا تخضب عليها أرضهم، ومن عيوبها الريح الجنوبية التي يسمونها المَرِيسَيّةَ، وذلك ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مَرِيس، فإذا هبت الريح المريسية- وهي الجنوبية- ثلاثَةَ عَشَرَ يوماً تباعاً اشترى أهل مصر الأكفان والحنوط وأيقنوا بالوباء القاتل، والبلاء الشامل،.ثمِ من عيوبها اختلاف هوائها، لأنهم في يوم واحد يغيرون ملابسهم مرارا كثيرة، فيلبسون القُمُص مرة، والمبطنات أخرى، والحشو مرة، وذلك لاختلاف جواهر الساعات بها، ولتباين مَهَابِّ الهواء فيها في سائر فصول السنة من الليل والنهار، وهي تمير ولا تمتار، فأذا اجدبوا هلكوا. وأما نيلها نكفاك الذي هو عليه من الخلاف لجميع الأنهار، من الصغار والكبار، وليس بالفرات ولا الدجلة ولا نهر بلخ ولا سيحان ولا جيحان شيء من التماسيح، وهي في نيل مصرضارة بلامنفعة، ومفسدة غير مصلحة، وفي ذلك يقول الشاعر:
أظهرتُ للنيل هِجْرانـاً ومَـقْـلِـية إذ قيل لي إنما التمساح في النـيل
فمن رأى النيل رَأي الحين من كَثَبٍ فما أرَى النيل إلا في النـواقـيل قال: ويحك ما النواقيل التي ترى النيل فيها. قلت: القلال والكِيزَان يسمونها بهذا الاسم، قال: وما مراد الشاعر فيما وصف، قال: لأنه لا يتمتع بالماء إلا في الآنية، لخوف مباشرة الماء في النيل من التمساح، لأنه يختطف الناس وسائر الحيوان، قال: ان هذا النهر قد منع هذا النوع من الحيوان مصالح الناس منه، وقد كنت متشوقَا إلى النظر إليها، فلقد زهدتني عنها بوصفك لها.
قال ابن دأب: ثم سالذي الهادي عن مدينة دنقلة، وهي دار مملكة النوبة، كم المسافة بينها وبين اسوان، قلت: قد قيل أربعون يوماً على شاطىء النيل عمائرمتصلة.
بين البصرة والكوفة: قال ابن دأب: ثم قال لي الهادي: أيها يا ابن دأب، دع عنك ذكر المغرب وأخباره، وهلم بنا إلى ذكر فضائل البصرة والكوفة وما زادت به كل واحدة منهما على الأخرى، قال: ذكر عن عبد الملك بن عمير، أنه قال: قدم علينا الاحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت شيخاً قبيحاً إلا ورأيت في وجه الاحنف منه شبهاً، كان صَعْل الرأس، أجْخَى العين، أعْصَف الاذن، باخِقَ العين، ناتىءَ الوجه، مائل الشدْق، متراكب الاسنان، خفيف العارضين، أحْنَف الرِّجْل، ولكنه كان إذا تكلم جَلّى على نفسه، فجعل يفاخرنا ذات يوم بالبصرة ونفاخره بالكوفة، فقلنا الكوفة اغْذَى وأمرا وافسح وأطيب، فقال له رجل: واللهّ ما اشبه الكوفة الا بشابة صبيحة الوجه كريمة الحسب ولا مال لها، فإذا ذكرت ذكرت حاجتها، فكفَّ عنها طالبها، وما أشبه البصرة إلا بعجوز ذات عَوارض موسرة، فإذا ذكرت ذكر يسارها، وذكرت عوارضها، فكَفَّ عنها طالبها، فقال الأحنف: أما البصرة فإن أسفلها قَصَب، وأوسطها خَشَب، وأعلاها رُطَب، نحن أكثر ساجَاً وعاجاً وديباجاً، ونحن أكثر قنداً، ونقداً، واللّه ما أتي البصرة إلا طائعاً، ولا أخرج منها الا كارهاً، قال: فقام إليه شاب من بكربن وائل فقال: يا أبا بحر، بِمَ بلغت في الناس ما بلغت. فواللّه ما أنت بأ جْمَلِهم، ولا بأ شْرَفهم، ولا بأشْجَعِهم، قال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك، قال: بتركي ما لا يَعْنِيني كما عناك من أمري ما لا ينبغي ان يعنيك.
قال المسعودي: ولابن دأب مع الهادي أخبار حِسَان يطول ذكرها، ويَتّسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا أيراد ذلك في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الإختصار والإيجاز بحذف الاسإنيد وترك إعادة الألفاظ.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق