( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 483
بين المنصور وعمرو بن عبيد
وذكر إسحاق بن الفضل قال: بينا أنا على باب المنصور إذ أتى عمرو بن عبَيْدٍ فنزل عن حماره، وجلس، فخرج إليه الربيع، فقال له: قم أبا عثمان، بأبي أنت وأمي. فلما دخل على أبي جعفر أمر أن تفرش له لبود بقربه، وأجلسه إليه بعد ما سلم، ثم قال: يا أبا عثمان، عِظْنِي بموعظة، فوعظه بمواعظ، فلما اراد النهوض قال: أمرنا لك بعشر آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، قال أبو جعفر: واللهّ لتأخذَنهَا، قال: لا واللهّ لا آخذها، وكان المهدي حاضراً، فقال: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت. فالتفت عمرو إلى أبي جعفر فمال: مَنْ هذا الفتى، قال. هذا محمد ابني، وهو المهديُّ، وهو وليُّ عهدي، قال: أما واللهّ لقد ألبسته لباساً ما هو من لباس الأبرار، ولقد سميته باسم ما استحقَّه عملاً. ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم أقبل عمرا على المهدي فقال: نعم يا أبن أخي، إذا حلف أبوك أحنثه عمك: لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور: هل لك من حاجة يا أبا عثمان. قال: نعم، قال: ما هي. قال: ان لا تبعث إلي حتى أتيك، قال: إذا لا نلتقي، قال: هي حاجتي، فمضى واتبعه المنصور بطرفه، ثم قال:
كلكم يَمْـشِـي رُوَيْدْ كلكم يطلـب صـيدْ
غير عمرو بن عُبَيْدْ ودخل عمرو بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدي، فقال له: يا أبا عثمان هذا ابن أمير المؤمنين، ووليُّ عهد المسلمين، فقال لى عمرو: يا أمير المؤمنين، أراك قد وطَّدْتَ له الأمور، وهي تصير إليه. وأنت عنه مسؤول، فاستعبر المنصور وقال له: عظني يا عمرو، قال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشْتَرِ نفسك منه ببعضها. وان هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك، فاحذر ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده، وأنشد:
يا ذا الـذي قـد غَـرَّهُ الأمــل ودون ما يأمل التنغيص والأجـل
ألا ترى إنما الدنـيا وزينـتـهـا كمنزل الركب حَلًّوا ثُمَّتَ ارتحلوا
حُتُوفها رَصَدٌ،وعيشـهـا نـكـد وصفوها كدر، وملـكـهـا دول
تظل تقرع بالروعات ساكـنـهـا فما يسـوغ لـه لـين ولاجـذل
كأنه للمنـايا والـردى غَـرَضٌ تظل فيه بنات الدهرتنـتـضـل
والنفس هاربة، والموت يَرْصُدُها وكل عثرة رِجْل عندهـا زلـل
والمرء يسعى لما يبقى لـوارثـه والقبر وارث ما يسعى له الرجل
موت عمرو بن عبيد
ومات عمرو بن عبيد في أيام المنصور سنة أربع وأربعين ومائة وقيل: سنة خمس وأربعين ومائة ويكنى أبا عثمان، وهو عمرو بن عبيد بن باب، مولى بني تميم، وكان جده باب من سَبْي كابل من رجال السند، وكان شيخ المعتزلة في وقته ومفتيها، وله خُطَب ورسائل، وكلام كثير في العدل والتوحيد وغير ذلك. وقد أتينا على أخباره والغرر من كلامه ومناظراته في كتابنا في المقالات في أصول الديانات.
وفي سنة إحدى وأربعين ومائة شخص المنصور إلى بيت المقدس فصلّى فيه لنذركان عليه وانصرف.
موت هاشم بن عروة
وفي سنة ست وأربعين ومائة مات هشام بن عروة بن الزبير وهو ابن خمس وثمانين، وكان إذا اسمعه رجل كلاماً قال: أنا أرفع نفسي عنك، ثم نازع علي بن الحسن، فأسرع إليه هشام، فقال له علي: إني أدعوك إلى ما كنت تدعو إليه.
موت أبي حنيفة النعمان وجماعة
وفي سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى تَيْم اللات من بكر بن وائل في أيام المنصور ببغداد، توفي وهو ساجد في صلاته، وهو ابن تسعين سنة وفيها مات عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريجْ المكيُّ، مولى خالد بن أسيد، ويكنى أبا الوليد، وهو ابن سبعين سنة وفيها مات محمد بن إسجاق بن يَسَارمولى قيس بن مَخرَمَة من بني المطلب، ويكنى أبا عبد اللهّ، ويقال: مات سنة إحدى، ويقال: سنة اثنتين وخمسين ومائة.
وفي سنة سبع وخمسين مات الأوزاعي، ويكنى أبا عمر عبد الرحمن بن عمرو من أهل الشام، وإنما كان منزله فيهم- أعني الأوزاع- ولم يكن منهم- وذلك بدمشق فأضيف إليهم، وكان من سبي أهل اليمن في آخر أيام المنصور، وله تسعون سنة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق