( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 480
تفرق إخوة محمد بن عبد اللّه في البلاد
وقد كان تفرق اإوة محمد وولده في البلدان يدعون إلى إمامته ة فكان فيمن توجه ابنه علي بن محمد إلى مصر، فقتل بها، وسار ابنه عبد الله إلى خراسان فهرب لما طلب إلى السند، فقتل هناك، وسار ابنه الحسن إلى اليمن، فحبس فمات في الحبس، وسار أخوه موسى إلى الجزيرة، ومضى أخوه يحيى إلى الري ثم إلى طبرستان، فكان من خبره في أيام الرشيد ما سنورده فيما يرد من هذا الكتاب، ومضى أخوه الحريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس، وبعث المنصور من اغتاله بالسم فيما احتوى عليه من مدن المغرب، وقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن مقامه، فَعُرِفَ البلد بهم، فقيل: بلد إدريس بن إدريس، وقد اتينا على خبرهم عند ذكرنا لخبر عبيد اللهّ صاحب المغرب وبنائه المدينة المعروفة بالمَهْدِية، وخبر أبي القاسم ابنه بعده، وانتقالهم من مدينَةَ سلمية من أرض حمص إلى المغرب، في الكتاب الاوسط، ومضى إبراهيم أخوه إلى البصرة وظهر بها، فأجابه أهل فارس والاهواز وغيرهما من الأمصار وسار من البصرة في عساكر كثيرة من الزَّيْدِية وجماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم، ومعه عيسى بن زيدبن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، فسير إليه المنصور عيسى بن موسى وسعيد بن سلم في العساكر، فحارب حتى قتل في الموضع المعروف بباخَمْرى، وذلك على ستة عشر فرسخا من الكوفة من أرض الطفّ، وهو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثى إبراهيم، فممن ذكر ذلك دِعْبِلُ بن علي الخزاعي، فقال في قصيدة له أولها:
مدارس أياتٍ خَلَتْ من تـلاوة ومنزل وَحْيٍ مُقْفِر العرصات ومنهاقوله فيهم:
قبور بكوفان، وأخرى بـطـيبة وأخرى بفَخٍّ، يا لها صـلـوات
وأخرى بأرض الجوزجان محلها وقبر بباخَمْرَى لدى الغَرَبَـاتِ وقتل معه من الزيدية من شيعته اربعمائة رجل، وقيل: خمسمائة رجل.
وروي بعض الأخباريين عن حماد التركي قال: كان المنصور نازلاً في دَيْرٍ على شاطىء دجلة في الموضع الذي يسمَّى اليوم الخلد، ومدينة السلام، إذ أتى الربيع في وقت الهاجرة، والمنصور نائم في البيت الذي هو فيه، وحماد قاعد على الباب والخريطة بيد الربيع، بخروج محمد بن عبد اللّه فقال: يا حماد افتح الباب، فقلت: الساعة هجع أمير المؤمنين، فقال: افتح ثَكلَتْكَ أمك، قال: فسمع المنصور كلامه،. فنهض يفتح الباب بيده وتناول منه الخريطة، فقرأ ما فيها من الكتب وتلا هذه الأية : وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللّه، ويَسْعَوْنَ في الأرض فسادا، والله لا يحب المفسدين ثم أمر بإحضار الناس والقواد والموالي وأهل بيته وأصحابه، وأمر حماداً التركي بإسراج الخيل، وأمر سليمان بن مجلد بالتقدم، والمسيب بن زهير فأخرج الأقوات ثم خرج فصعد المنبر، فحمد اللهّ واثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
مالي أكَفْكِف عن سعد ويشتمني وإن شتمت بني سعد لقد سكنوا
جهلاعلينا وجُبْناً عن عـدوهـم لبئست الخَصْلَتان الجهلُ والجُبُنُ أما واللّه لقد عجزوا عن أمرٍ قمْنَا له، فما شكروا القائم ولا حمدوا الكافي، ولقد مهدوا فاستوعروا، وغبطوا فغمطوا، فماذا تحاول مني، أسقى رنقاً على كدر. كلا واللّه، لان أموت معززاً أحب إلي من أن أحيا مستذلًا، ولئن لم يرض العفو مني ليطلبَنَّ ما لا يوجد عندي، والسعيد من وعظ بغيره، ثم نزل، فقال: يا غلام، قدم، فركب من فوره إلى معسكره، وقال: اللهم لا تَكِلْنَا إلى خلقك فنضيع، ولا إلى أنفسنا فنعجز فلا تكلنا إلا إليك.
وذكر ان المنصور هيئت له عجة من مخ وسكر فاستطابها، فقال: أراد إبراهيم ان يحرمني هذا وأ شْبَاهَه. وذكر ان المنصور قال يوماً لجلسائه بعد قتل محمد وإبراهيم: تاللّه ما رأيتُ رجلًا أنصح من الحجاج لبني مروان، فقام المسيب بن زهير الضبي فقال: يا أمير المؤمنين ما سبقَنَا الحجاج بأمر تخلّفْنَا عنه، واللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقا أعز علينا من نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد أمرتَنَا بقتل أولاده فأطعناك، وفعلنا ذلك، فهل نصحناك أم لا، فقال له المنصور: أجلس لا جلست.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق