( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 456
فكان مُلك مروان إلى أن بويع أبو العباس السَّفاح خمس سنين وشهرين وعشرة أيام على حسب ما قَدَّمنا ذكره في هذا الكتاب من التنازع في مدة أيامه، ومن وقت أن بويع أبو العباس السًفاح إلى أن قتل ببوصير ثمانية أشهر، فكانت مدة أيامه إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشْهُر وعشرة أيام، وقدمنا ما تنازعوا فيه من مقدار سنة وغير ذلك من أخباره، وقد أتينأ على مبسوط أخباره فيما سلف من كتبنا.
عبد الحميد بن يحيى الكانب
وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعد صاحب الرسائل والبلاغات، وهو أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتب، واستعمل الناسُ ذلك بعده.
وذكر أن مروان قال لكاتبه عبد الحميد حين أيْقَنَ بزوال ملكه: قد احْتَجْتُ أن تصير مع عدوي وتظهر الغدرَ بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حُرَمِي بعد وفاتي، فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرتَ به عليَّ أنْفَعُ الأمرين لك، وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبرحتى يفتح اللّه أو أُقتل معك، وقال:
أسِر وَفَـاء ثـم أظـهـر غـدره فمن لي بعذرٍ يُوسِعَ الناس ظاهره. وقد أتينا على خبر أبي الوِرد ومقتله، وخبر بشربن عبد اللّه الواحدي ومقتله، في كتابنا الأوسط، فأغْنى ذلك عن ذكره.
وذكر إسماعيل بن عبد الله القشيري قال: دعإني مروان وقد وافى على الهزيمة إلى حران، فقال: يا أبا هاشم، وما كان يكنيني قبلها، قد ترى ما جاء من الأمر وأنت الموثوق به، ولا مخبأ لِعِطْرٍ بعد عَرُوس، فما الرأي. فقلت: يا أمير المؤمنين، علام أجْمَعْت.، قال: على أن أرتحل بموالي ومَنْ تبعني من الناس حتى أقطع الدَّرْبَ وأميل إلى مدينة في مدن الروم فأنزلها، وأكاتب صاحبها، وأستوثق منه، فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم، وليس هذا عاراً بالملوك، فلا يزال يأتيني من أصحابي الخائفُ والهارب والطامعُ فيكثر مَنْ معي، ولا أزال على ذلك حتى يكشف اللّه أمري وينصرني على عدوي، فلما رأيت ما أجمع عليه وكانَ الرَّأْيَ، ورأيت أثاره في قومي من قحطان وبلاءه عندهم، فقلت: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا الرأْي، تحكم أهل الشرك في بناتك وحرمك، وهم الروم، ولا وفاء لهم، ولا تدري ما تأتي به الأيام، وأنت إن حدث عليك حادث بأرض النصرإنية ولا يحدث عليك الا خير ضاع مَنْ بعدك، ولكن اقطع الفرات، ثم استنفر أهل الشام جنداً جنداً فإنك في كنف وعزة، ولك في كل جند صنائع، يسيرون معك حتى تأتي مصر، فإنها أكثر أرض اللهّ مالاً وخيلاً ورجالاً، ثم الشام أمامك وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحبُّ انصرفت إلى الشام، وإن كانت الآخرى مضيت إلى إفريقية قال: صدقت، وأستخير اللّه، فقطع الفرات، واللّه ما قطعه معه من قيس إلا رجلان: ابن حمزة السلمي، وكان أخاه من الرضاعة، والكوثر بن الأسود الغنوي، ولم ينفع مروان تعصبه مع النزارية شيئاً، بل غدروا به وخذلوه، فلما اجتاز ببلاد قنسرين وَخُنَاصرة أوقعت تَنُوخُ القاطنةُ بقنسرين بساقته، ووثب به أهل حمص، وسار إلى دمشق، فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمرو القيسي، والمذحجيون جميعاً، ثم مر بفلسطين فوثب الحكم بن صنعان بن روح بن زنباع، لما رأوا من إدبار الأمر عنه، وعلم مروان أن إسماعيلِ بن عبد اللّه القشيري قد غَشًه في الرأي ولم يمحضه النصيحة، وأنه فرّط في مشورته إياه، إذ شاور رجلاً من قحطان موتوراً متعصباً مع قومه على أضدادهم مننزار، وأن الرأي كان الذي هَمَّ بفعله من قطع الدرب ونزول بعض حُصُون الروم ومكاتبته ملكها إلى أن يرتئي في أمره.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق