( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 34
وقد تنازع طوائف الفلكيين وأصحاب النجوم في هذين المحورين اللذين يعتمد عليهما الفلك في دوره: أساكنان هما أم متحركان. فذهب الأكثر منهم إلى أنهما غيرمتحركين وقد أتينا على ما يلزم كل فريق منهم في بيان هذين المحورين: أمن جنس الأفلاك هما أم من غير ذلك فيما سلف من كتبنا.
شكل البحار
وقد تنوزع في شكل البحار، فذهب الأكثر من الفلاسفة المتقدمين من الهند وحكماء اليونانيين إلا من خالفهم وذهب إلى قول الشرعيين أن البحر مستدير على مواضع الأرض، واستدلوا على صحة ذلك بدلائل كثيرة، منها أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض والجبال شيئاً بعد شيء حتى تغيب ذلك كله، ولا ترى شيئأ من شَوَامخ الجبال، وإذا أقبلت أيضاً نحو الساحل ظهرت تلك الجبال شيئاً بعد شيء، وإذا قربت من الساحل ظهرت الأشجار والأرض.وهذا جبل دُنْبَاوَنْدَ بين بلاد الري وطبرستان يرى من مائة فرسخ لعلوه وذهابه في الجو، ويرتفع في أعاليه الدخان، والثلوج مترادفة عليه غير خالية من أعاليه، ويخرج من أسفله نهركثير الماء أصفركبريتي ذهبي اللون، مسافة الصعود إليه في نحو ثلاثة أيام بلياليها، وإن مَنْ عَلَاه وصار في قُلَّته وجد مساحة رأس نحوألف فراع في مثل ذلك، وهي ترى في رأي العين من أسفل نحو القبة المنخرطة، وإن في هذه المساحة في أعاليه رملًا أحمرتغوص فيه الأقدام، وإن هذه القبة لا يلحقها شيء من الوحش ولا من الطير،لشدة الرياح وسموها في الهواء، وشدة البرد، وإن في أعاليه نحواً من ثلاثين ثقباً يخرج منها الدخان الكبريتي العظيم، ويخرج مع ذلك من هذه المخارق مع الدخان دوي عظيم كأشد ما يكون من الرَّعْدِ، وذلك صوت تلهبِ النيران، وربما يحمل من غرَّر بنفسه وصعد إلى أعاليه من أفاه هذه الثقوب كبريتاً أصفر كأنه الذهب يقع في أنواع الصنعة والكيمياء وغير ذلك من الوجوه، وإن مَنْ عَلَاه يرى ما حوله من الجبال الشامخة كأنها رَوَاب وتلَال لعلوه عليها، وبين هذا الجبل وبحر طبرستان في المسافة نحو من عشرين فرسخاً، والمراكب إذا لَجَّت في هذا البحر غاب عنها جبل دُنْبَاوَنْدَ فلم يرهُ أحد، فإذا صاروا في هذا البحر على نحو من مائة فرسخ، ودَنَوْا من جبال طبرستان رأوا اليسير من أعالي هذا الجبل، فكلما قربوا من هذا الساحل ظهر لهم، وهذا دليل على ما ذهبوا إليه من كرية ماء البحر، وأنه مستدير الشكل.وكذلك مَن يكون في بحر الروم الذي هو بحر الشام ومصريرى الجبل الأقرع، وهو جبل عالٍ لا يحرك علوه، مُطِل على بلاد أنطاكية واللاذقية وطرابلس وجزيرة قبرص وغيرها في بلاد الروم، فيغيب عن أبصار مَنْ في المراكب لانخفاضهم في المسير في البحر عن المواضع التي يُرى منها.
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جبل دُنبَاوَنْدَ وما قال الفرس في ذلك، وأن الضحاك ذا الأفاه مُوثَق في أعاليه بالحديد، وهذه القبة التي في أعالي هذا الجبل أطُمٌ عظيمة من آطام الأرض وعجائبها.
مساحة الأرض والكواكب
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق