90
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية
الدّرس الثالث عشر : تأثير الأفكار في الحَيَاة الاجتماعِيَّة وأهمّيتها
3 ـ النْظريَّة المَاديَة الجَدَليَّة
ج) – تقومُ الأفكار الجَديدَة بالتّنظيم وَالتعبئَة وَالتَحويل
لا تظهر الأفكار والنظريات الجديدة الا حين يثير تطور حياة المجتمع المادية مهام جديدة أمام المجتمع. حتى إذا ما ظهرت هذه الأفكار والنظريات أصبحت قوة لها أهميتها الكبرى تسهل أتمام المهام الجديدة التي أثارها تطور حياة المجتمع المادية، كما أنها تسهل تقدم المجتمع. تظهر عندئذ أهمية عمل هذه الأفكار والنظريات الجديدة في التنظيم والتعبئة والتحويل، وكذلك أهمية عمل الآراء والمؤسسات السياسية الجديدة.
والحقيقة أن ظهور الأفكار الجديدة والنظريات الاجتماعية حق لأنها ضرورية للمجتمع، ولأن حل المشاكل الملحة التي يثيرها تطور حياة المجتمع المادية يصبح مستحيلا بدون عمل هذه الأفكار والنظريات في التنظيم والتعبئة والتحويل.
وبما أن هذه الأفكار والنظريات الجديدة قد أثارتها المهام الجديدة التي يولدها تطور حياة المجتمع المادية فأنها تشق طريقها وتصبح ملك الجماهير الشعبية التي تعبؤها وتنظمها ضد قوى المجتمع الزائلة فتساعد بذلك على قلب هذه القوى التي تعيق تطور حياة المجتمع المادية .
لهذا النص أهمية كبرى لأنه يوضح لنا الصور التي تتخذها الأفكار الجديدة في عملها:
ـ فهي تعبىء الهمم أي أنها تثير وتبعث الحماس وتحرك الجماهير .
ـ وهي تنظم، أي أنها تضفي على هذه الحركة الوحدة والانسجام الدائمين (مثال: فكرة النضال من أجل السلام ولدت جمعيات السلام التي تنظم حركة السلام).
ـ وهي تحول، أي أنها لا تؤثر فقط على الوعي فتسمو به، بل هي تتيح حل المشاكل التي يعانيها المجتمع بصورة فعلية.
"تصبح النظرية قوة مادية متى ما آمنت بها الجماهير ".
وفي التاريخ أمثلة كثيرة على هذا الدور الثلاثي للأفكار الجديدة.
فلقد عبأت، في عام 1789، الفكرة التقدمية القائلة بأن الأمة سيدة مصيرها وأن عليها أن تضع لنفسها دستوراً يجعل جميع الفرنسيين متساوين أمام القانون ويقضي على الأمتيازات، عبأت هذه الفكرة الجماهير لأنها كانت جواباً على مشكلة العصر التاريخية، وأثارت اندفاع الشعب المنظم ضد النظام الإقطاعي القديم.
كما أتاحت، في تشرين 1917، الفكرة التقدمية القائلة بأنه يجب القضاء على حكومة كيرنسكي وتسليم السلطة إلى السوفيات لضمان تحرير القوميات المضطهدة، أتاحت هذه الفكرة تنظيم الجماهير وتعبئتها ومن ثم تحويل المجتمع.
ويمكننا أن نعدد الأمثلة على ذلك، ولكن أليس هناك مثال يهم العمال الفرنسيين أكثر من غيره؟
لاحظ موريس توريز في تحليله للوضع الذي القاه في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي (حزيران 1953) أن "الأمر الخطير في هذه الساعة هو تقدم فكرة الوحدة بين الجماهير الشعبية" فلماذا هذه الوحدة؟" أنها من أجل العمل على انتصار سياسة سلمية واستقلال قومي في بلادنا، سياسة حرية وتقدم اجتماعي". فكيف توصل العمال، الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم، إلى هذه الفكرة؟ لأن جميع التناقضات السياسية التي نشأت عن مشروع مارشال وعن ميثاق الأطلنطي قد ظهرت".
وهذه سياسة حرب واستعباد مرهقة، كما أنها سياسة فاشستية ورجعية اجتماعية. فلقد أدرك العمال أنه لا سبيل لتغيير ذلك الا بالاتحاد والعمل بفضل الاتحاد".
وهكذا استولت فكرة الاتحاد على الجماهير شيئاً فشيئاً فهي، تعبئهم وتنظمهم سواء كان ذلك في لجان الإضراب أم في لجان السلام أم لجان الدفاع عن الحريات.
وهكذا تتم التحولات المادية التي جعلها الوضع ضرورية. وذلك بفعل الجماهير الواعي.
كما يظهر خطر الأفكار الجديدة، التي تثيرها المهام التي يبعثها التاريخ، حين تتلقفها الجماهير التي تصنع التاريخ. فتعمل عندئذ كما تعمل القوى المادية. حتى أن اعداء التقدم مضطرون إلى خداع هذه الأفكار التي يخشونها في أيدي الرجال الشجعان. وذلك هو شأن البرجوازية وخدامها الزعماء الاشتراكيين. ويلاحظ موريس توريز أنه بلغ من خوف هؤلاء من اتساع حركة الوحدة "أنهم يحاولون التمسك بشعار الوحدة للنضال ضد الوحدة". ولكن الخداع لا يمكن أن يقف في وجه قوة الجماهير الواعية التي تعرف إلى أين تسير، وماذا تريد، وماذا يجب عليها .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق