89
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية
الدّرس الثالث عشر : تأثير الأفكار في الحَيَاة الاجتماعِيَّة وأهمّيتها
3 ـ النْظريَّة المَاديَة الجَدَليَّة
ب) – الأفكَار القَديمَة وَالأفكَار الجَديدَة
رأينا في دراستنا لأصل الأفكار (الدرس الثاني عشر المسألة الثالثة) أن التناقض بين الأفكار والنظريات يعكس تناقضاً موضوعياً في المجتمع.
فلننظر مثلاً إلى الأزمات الاقتصادية التي تولدها الرأسمالية سببها الموضوعي هو التناقض بين طابع ملكية وسائل الإنتاج الخاص وطابع عملية الإنتاج الاجتماعي . فكيف نحل هذا التناقض؟
تجيب طبقة البروليتاريا الثورية بقولها: بواسطة جعل وسائل الإنتاج اشتراكية، وبواسطة الاشتراكية، فتزول عندئذ الأزمات، وتزدهر قوى الإنتاج في خدمة الجميع. وتجيب البرجوازية بقولها على ذلك، وهي المالكة لوسائل الإنتاج التي تستفيد منها أقصى الأرباح: فلنحدد قوى الانتاج لأنها تجلب الخطر على نظامنا، فننقذ بذلك علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تضمن لنا إمتيازاتها. وإذا بنفس الطبقة، التي كانت بالأمس تتغنى بفضائل العلم، تلعن اليوم هذا العلم لأنها تعتقد أن الخطأ في تضخم الإنتاج أنما هو خطأ العلم. وأما البروليتاريا فهي، على العكس، تتغنى بمديح العلم فهي تعتقد أن سبب الأزمات ليس هو تقدم العلم بل هو النظام الاجتماعي والرأسمالية، ولهذا فأن العلم، في النظام الاشتراكي، يجلب الرخاء.
نرى أن هناك نضالا بين الأفكار على أساس تناقض موضوعي إلا وهو تناقض الرأسمالية.
فهناك من جهة الفكرة التي ينشرها المفكرون والصحفيون البرجوازيون القائلة بأن العلم شرير، يجب وضعه تحت المراقبة، وأن ما يحرزه من تقدم مصيبة، فيجب ربطه بالدين.
ولهذا نجد الجرائد والمجلات تطفح بالسحر و "بالعلوم الغيبية" إلى جانب مناهضة الشيوعية وصور فتيات الغلاف. وكذلك نجد وزير التربية الوطنية يدعو في نص رسمي إلى النزعة التجريبية، أي إلى وسائل البحث التي تخطاها العلم منذ أمد طويل.
ولهذا فليست هذه الدعاية الصاخبة الخفية ضد العلم والعودة إلى النظريات الصوفية للقرون الوسطى مجرد صدفة.
وكذلك ليس مجرد صدفة أن نسمع اليوم البرجوازية تردد بصور مختلفة أنه ليس هناك قوانين موضوعية، ولهذا يجب أن لا "نحاول الفهم". وليس مجرد صدفة أن يسعى مشروع "إصلاح" التعليم، الذي قدمه الوزير اندريه ماري، على غرار فرنكو، إلى أفساد الثقافة العامة. كل هذا (وما شابهه من موضوعات ظهرت في عهد فيشي الفاشستي) هو التعبير الفكري عن مصالح طبقة حكم عليها تطور المجتمعات وتود أن يعود التاريخ القهقرى.
فهناك أفكار قديمة ونظريات مضى زمانها تخدم الآن مصالح قوى المجتمع الزائلة. وأهمية هذه الأفكار هي في أنها تعيق تطور المجتمع وتقدمه .
ومن البديهي أن كراهية العلوم واحتقارها يفيدان في الوقت الحاضر البرجوازية لأن ازدهار العلوم السلمي يعرض نظام هذه البرجوازية للخطر .
تقوم البروليتاريا، وهي الطبقة الثورية، مقابل ذلك بنشر الفكرة القائلة بوجوب تشجيع تقدم العلوم.
وتتفق هذه الفكرة تماماً مع نمو قوى الإنتاج، ولا يمكن أن يقوم بهذا التشجيع سوى نضال البروليتاريا الثوري.
فهناك قوى ونظريات جديدة تقف في الطليعة تخدم مصالح قوى الطليعة في المجتمع. وأهمية هذه الأفكار والنظريات أنها تسهل تطور المجتمع وتقدمه، وزيادة على ذلك تزداد أهميتها كلما عكست بصورة صادقة حاجات تطور حياة المجتمع المادية .
ولهذا توجد الطبقة العمالية، عند استلامها الحكم، الظروف المادية التي تساعد على ازدهار العلوم. وهي تشجع الفكرة القائلة بأن العلم ضروري لسعادة الناس. ولهذا فأن تطور علم الحياة (البيولوجيا) المتشوري في الاتحاد السوفياتي أصبح قضية الفلاحين الكولخوزيين الذين يشاركون في تكوين أنواع جديدة، وبهذا تزداد سرعة الوصول إلى الشيوعية. (انظر الشريط: صيف رائع).
الأفكار هي إذن قوى. والأفكار القديمة هي قوى رجعية، ولهذا تأخذ بها الطبقات الرجعية، وأفكار الطليعة هي قوى تساعد على تقدم المجتمعات ولهذا تشجعها الطبقات الصاعدة.
لا يجب أن نستخلص من ذلك أن الطبقات المتضاحنة توجد بصورة تلقائية الأفكار المطابقة لحاجاتها. الأفكار هي ثمرة عملية المعرفة. تتكون الأفكار في مجتمع يسيطر فيه تقسيم العمل (كحال المجتمعات المنقسمة إلى طبقات) كنظريات يقوم بوضعها أشخاص مختصون بهذه المهنة وهم الكهان، والفلاسفة والعلماء والفنيون والمربون والفنانون والكتاب، الخ... ولكن تستخدم هذه الأفكار الطبقية بأجمعها.
هذا من جهة ومن جهة ثانية فأننا، حين نتحدث عن الأفكار الجديدة، فلا يجب أن نفهم ذلك بصورة تخطيطية. إذ يحدث أن تتخلى طبقة ما عن فكرة فتستخدمها فيما بعد طبقة أخرى في صور أخرى. وهكذا فقد قالت البرجوازية الثورية (ديدرو، كوندوسيه) أن العلم خيِّر. فقال بهذه الفكرة العامل الثوري وجددها، ويمكنه أن يستخلص منها جميع النتائج العملية (في بناء الاشتراكية) بينما عجزت البرجوازية عن السير بهذه الفكرة حتى النهاية. وهكذا يمكن أن تستخدم الطبقات أفكاراً استُخدمت من قبل. وليس في هذا ما يبعث على الدهشة. فلقد تعلم الناس من التجربة قدرة الأفكار فلا تهمل طبقة ما، من بين الأفكار الموجودة تلك التي تساعد على امتداد سلطانها. كما أنه يمكن لطبقة ما أن تطرد من أفكارها الفكرة التي لا تناسبها. فإذا بالبرجوازية، اليوم، تطأ بأقدامها "علم الحريات الديمقراطية البرجوازية" التي جعلت الجماهير المضطهدة تتحالف معها ضد الإقطاع.
وتحاول هذه الطبقة، فيما عدا ذلك، أن تجعل من الأفكار القديمة التي تستخدمها أفكاراً "جديدة": مثال ذلك أن هتلر أراد أن يجعل من النظرية القديمة عن العنصر أو الدم فكرة علمية. وكان هناك علماء آمنوا بما قال. كما كان موسوليني يصرح أن الاشتراكية البروليتارية هي "أسطورة قديمة" وأن الفاشية "أسطورة الجديدة"!
ولا يحكم على "الجدة" بالزمن بل بقدرتها على حل المشاكل التي تنشأ في زمن معين. ولهذا فأن كتاب "رأس المال" لماركس هو أكثر جدة من كل ما يُعلم حديثا في الجامعات البرجوازية كاقتصاد سياسي.
وهناك ملاحظة أخرى. إذا كانت الأفكار دائماً في خدمة طبقة ما أو مجتمع معين تاريخياً فلا يجب أن نخلص للقول بأن الأفكار جميعها تتساوى في قيمتها. فالفكرة القائلة بأن العلم مسيء هي فكرة خاطئة ـ أي أنها تعارض الواقع لأن تقدم المجتمعات الإنسانية مستحيل بدون العلوم.
أما الفكرة القائلة بأن العلم خيِّر فهي فكرة صحيحة، تطابق واقع الوقائع. والبروليتاريا، وهي الطبقة الصاعدة، بحاجة للحقيقة كحاجة البرجوازية، الطبقة الزائلة إلى الكذب .
غير أن الأفكار الخاطئة هي قوة فعالة ولا تقل فعاليتها عن فعالية الأفكار الصحيحة. ويجب محاربتها بواسطة أفكار صحيحة تقدمية تعكس بصورة أصدق حاجات التطور الاجتماعي مما يضمن لها النصر الأخير وتزداد قيمتها يوماً بعد يوم حتى تصبح لا غنى عنها، وهذا ما يفسر امتداد انتشار هذه الأفكار.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق