73
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثاني : دراسة المادية
الفلسفية الماركسية
الدّرسُ الحَادي عشر :ميزة النّزعَة الماديّة الماركسيَّة الثالِثة
مَعرفة العَالَم ممكنة
3 – الحَقيقَة النِسْبيَّة وَالحَقيقَة المطلَقَة
يتيح لنا التطبيق العملي إذن التحقق من صحة الفكرة التي لدينا عن صفات شيء من الأشياء. فماذا يبقى إذن من الشيء في ذاته كما قال "كنت" ؟ لا شيء! تعلم الجدلية، كما يعلم الجدلي هجل، أن التمييز بين صفات شيء من الأشياء وبين الشيء في ذاته عبث لا طائل وراءه، فإذا كنت تعرف جميع صفات الشيء فانك تعرف الشيء ذاته، فهل هذه الصفات مستقلة عنا؟ هذا ما يجب أن نفهمه من مادية العالم.
ولكن هذا الواقع الموضوعي لا يستعصي على المعرفة لأننا لا نعرف صفاته، ولهذا كان من العبث القول "خلقك شيء وصفاتك ومساوئك شيء آخر، وأنا أعرف صفاتك ومساوئك ولكني لا اعرف خلقك" لأن "الخلق" هو مجموعة الصفات والمساوىء. كما أن الرسم هو عبارة عن مجموع الرسوم. وأنه لمن العبث القول، بأن هناك فن اللوحات والرسامين والألوان، والأساليب والمدارس ثم هناك فن الرسم في ذاته الذي يخيم عليها ولا تمكن معرفته. إذ ليس هناك جانبان في الشيء. بل هو كل تكتشف بالتدريج أوجهه المتعددة عملياً.
ولقد علمتنا الجدلية، فيما يتعلق بصفات الأشياء "المخفية"، بأنها تظهر بواسطة النضال الداخلي للأضداد الذي يتولد عنه التغير. وحالة الشيء " في ذاته" هي حالة التوازن النسبي الذي يكشف عن تناقض الشيء الداخلي وقت التجمد أو الغليان.
ولهذا لا يمكن أن يوجد أي فرق مبدأي بين الظاهرة والشيء في ذاته. والفرق هو بين ما هو معروف وما لم يعرف بعد .
ويصبح الشيء "في ذاته"، بواسطة ازدياد معرفة الواقع، شيئا "من أجلنا" بالتدريج.
وهكذا نرى أنه يوجد، بالنسبة للنظرية المادية الجدلية للمعرفة، حقيقة مطلقة، أي مطابقة للواقع بذاته.
وأما الماركسية فهي تحدد الحقيقة، على عكس رأي "كنت" الذي يعتقد بأن الحقيقة هي بالنسبة للذهن الإنساني، بأنها عملية طبيعية. هي انعكاس الواقع الموضوعي في وعي الإنسان.
ولهذا فأن القول بأن الماديين ينكرون وجود الحقيقة، كذب وافتراء.
وإذا ما عدنا إلى مثال "السائل" رأينا أن التغير هو الذي يظهر مضمون الظاهرة الداخلي. ولهذا كان من الضروري في بعض الأحيان انتظار بلوغ الظاهرة درجة معينة من النمو والنضج لتظهر حقيقتها بوضوح. لأنه لا يمكن تمييز التناقضات عند بدايتها. وهذا ما يجعل دراسة بداية الكائن الحي، مثلا، صعبة. وكذلك حال الرأسمالية التي تبدو تناقضاتها المعقدة بشكل أوضح في نظر الجماهير وهي في النزع الأخير. ولهذا يقول هيجل الجدلي:
"لا تأخذ بومة منيرفا (وهي مثال العلم والحقيقة) بالطيران إلا عند الأصيل".
يتيح إذن نمو الظواهر نفسها تقدم المعرفة ولهذا يجب أن نعرف كيف نلاحظ بصبر، وأن يُحسب حساب الزمن الضروري لتكوين انعكاس الواقع في الدماغ .
يجب أن نفكر دائما بصورة جدلية سواء حول نظرية المعرفة أم في جميع ميادين العلم الأخرى، أي أن لا نفترض قط أن وعينا لا يتغير بل يظل كما هو، بل يجب تحليل العملية التي بفضلها تتولد المعرفة من الجهل أو تصبح المعرفة الغامضة الناقصة أكمل وأدق .
هل هناك إذن أشياء لا يمكن معرفتها؟ كلا، بل هناك أشياء لا تزال مجهولة وسوف "تكتشف وتُعرف بواسطة العلم والتطبيق العملي" ذلك لأن تاريخ العلم يؤكد عدم وجود المجهول كما يؤكد تحول المجهول إلى معلوم باستمرار.
كان "كنت" يعتقد أن هناك بعض المشاكل المستعصية على الحل. فكان افقه العلمي محدوداً بحدود العلم في زمانه. مثال ذلك أن الكيمياء العضوية والبيولوجيا لم تكونا موجودتين بعد. ومن ثم اتسع الأفق. أما الذين يلوكون أقوال "كنت" فهم لا يريدون رؤية ذلك.
وهكذا نجد أنه بينما اللاأدرية متشائمة تشكو من عجز "الذهن الإنساني" فإن النزعة المادية متفائلة لا ترى أي مشكلة، كمشكلة السرطان مثلا، مستعصيه على الحل.
فليس هناك سوى مجهول مؤقت، ولهذا فأن حيلولة الرأسمالية دون ازدهار العلم يزيد من أجل هذا المجهول المؤقت.
زد على ذلك أن النزعة المادية تتيح لنا وضع الخطط لنمو العلم بالتنبؤ في الميادين التي تنضج فيها الاكتشافات، واتخاذ الوسائل التي تعجل بذلك. ألم يحدث غالبا في الماضي أن قام بالاكتشافات، في نفس الوقت، علماء يجهل بعضهم بعضا. وهذا دليل رائع على أن المعرفة عملية طبيعية تحدثها الأشياء نفسها فنيا.
غير أن نمو ظاهرة معينة غير مستقل عن سائر الظواهر. والطبيعة لا تحد في المكان والزمان، فهي تبدع باستمرار ولا تكف عن الإبداع. ولهذا كان نمو المعرفة ذاته لا يحد. وسوف تظل الأشياء في العالم أكثر مما نجد في معرفتنا، وكل ما نجهله مرتبط بما نعرفه.
ولهذا لا يمكن للعلم أن يقف عند حد معين. وكل حقيقة من حقائقه في ذاتها نسبية لأنها تتعلق بالحقائق الأخرى. وهكذا اكتشف الذرة بعد الجسيم كما اكتشف الإلكترون بعد الذرة ثم اكتشف اللب وسوف تكتشف جسيمات أخرى.
وليس هناك مجال للاعتقاد بأنه يمكن استنفاد الواقع، ولهذا قال لينين "الإلكترون نفسه لا يمكن استنفاده".
كل هذا لا يقلل من قيمة معارفنا الموضوعية لأن "في النسبي يكمن المطلق" (لينين).
ترى النزعة المادية المحدثة، أي الماركسية، أن حدود مقدار قرب معارفنا من الحقيقة الموضوعية المطلقة نسبية تاريخياً، غير أن وجود هذه الحقيقة ذاتها لا اعتراض عليه، كما أنه لا اعتراض على أننا نقترب منها.
وهكذا إذا كانت أطراف اللوحة نسبية تاريخياً ولكن لا شك أن هذه اللوحة تمثل مثالا موجودا بصورة موضوعية.
وإذا كنا في فترة معينة، وفي ظروف معينة، قد تقدمنا في معرفتنا لطبيعة الأشياء حتى اكتشفنا الأليزارين في قطران الفحم الحجري أو الالكترونات في الذرة فأن هذا الاكتشاف نسبي تاريخياً. غير أن كل اكتشاف من هذا النوع تقدم في "المعرفة الموضوعية المطلقة" وليس هذا أمراً نسبياً قط .
ولهذا فليس هناك نظرية علمية صحيحة تصبح خاطئة أو عديمة الجدوى مع الزمن. بل تحتفظ كل نظرية بقيمتها فإذا ما ظهر نقص النظرية أمكننا التغلب على هذا النقص بواسطة التجربة.
وليس تقدم العلم سباقاً إلى الأصالة والمهارة بل هو تقدم داخل الحقيقة وفي أعماقها.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق