إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 25 مارس 2014

74 أصول الفلسفة الماركسية القسم الثاني : دراسة المادية الفلسفية الماركسية الدّرسُ الحَادي عشر :ميزة النّزعَة الماديّة الماركسيَّة الثالِثة مَعرفة العَالَم ممكنة 4 – إتحَاد النَظريَّة بالنَاحِيَة العَمليَّة



74


أصول الفلسفة الماركسية

القسم الثاني : دراسة المادية

الفلسفية الماركسية

الدّرسُ الحَادي عشر :ميزة النّزعَة الماديّة الماركسيَّة الثالِثة

مَعرفة العَالَم ممكنة

4 – إتحَاد النَظريَّة بالنَاحِيَة العَمليَّة


ليست المعرفة، في نظر النزعة المادية عملية "يفسر" بواسطتها الذهن معطيات الحواس، بل هي عملية معقدة يتكون بواسطتها انعكاس الواقع في دماغ الإنسان.
ونعلم أن هذه العملية تتضمن درجتين مختلفتين نوعيا: الدرجة الحسية والدرجة العقلانية أو التطبيق العملي والنظرية.

ولقد رأينا أيضاً أن التطبيق العملي هو بداية النظرية ومصدر المعرفة ومعيار حقيقتها. وهكذا يجب على كل نظرية أن ترجع بالضرورة إلى التطبيق العملي لسببين. السبب الأول هو أن النظرية انما وضعت من أجل التطبيق العملي ولم توضع من أجل فضول لا طائل وراءه بتأمل العالم، بل لكي تعمل على تحويل هذا العالم، والسبب الثاني هو أنه لما كان الواقع عبارة عن حركة وتغير مستمر فان النظرية التي تسعى إلى الاكتفاء بذاتها يصيبها العقم، وتمسي عقيدة ميتة، وتتوقف عملية المعرفة إذا لم ترجع باستمرار إلى التطبيق العملي، ويستحيل الحصول على انعكاس صادق للواقع وإصلاح نقص النظرية وتعمق معرفة العالم.

والفلاسفة التجريبيون هم أولئك الذين يعتقدون أن المعرفة هي معرفة الدرجة الأولى، معرفة الأحساسات، وأما الفلاسفة العقلانيون المثاليون فهم أولئك الذين يعترفون بعمل الأفكار والمعرفة النظرية ولكنهم يعتقدون مع ذلك أن هذه الأفكار قد هبطت من السماء ولا يمكنها الخروج عن نطاق التطبيق العلمي. وكل من الفريقين يفصل باعتباط بين الدرجتين للمعرفة ولا يدرك وحدتهما.

ندرك أهمية هذه الفرضية في ميدان العمل الثوري لأن كل شخص هنا ـ كما هو الحال في العلوم ـ لا يستطيع أن يختبر كل شيء بنفسه، بل هناك تجربة اجتماعية تجمعت على مدى العصور، تقوم النظرية بتنظيمها، ويجب على كل واحد منا تمثلها. إذا كان لا يريد النزول إلى مستوى النظريات التي ظهر خطأها وقامت الحركة العمالية بإصلاحها.

أن كل من يهمل النظرية يغرق في النزعة العملية المثالية ويسير في الظلمات، كما أن كل من يهمل التطبيق العملي يجمد في عقيدته فإذا به صاحب عقيدة، أجوف التفكير.

ولا شك أن النظرية تصبح لا موضوع لها إذا لم تتصل بالعمل الثوري، كما أن التطبيق العملي يضل طريقه إذا لم يضيء هذا الطريق النظرية الثورية .

تتيح لنا النظرية الماركسية عن المعرفة أن ندحض الفكرة الخاطئة القائلة بأنه يجب علينا الابتعاد عن التطبيق العملي لنظل "محايدين" "موضوعيين"، وهذا ما يسمى بالنزعة الموضوعية البرجوازية التي تشن الحرب ضد الماركسية. وهو أشبه بقولنا أن الفيزيائي الذي قام بالتجارب لا يمكن أن يكون موضوعياً لأنه "ثائر" بتجاربه؟
إذا أردت الحصول على المعارف فيجب عليك المشاركة في التطبيق العملي الذي يحول الواقع، فإذا، ما أردت معرفة طعم اجاصة فيجب عليك أن تضعها في فمك وتقضمها وإذا أردت معرفة تكوين الذرة وطبيعتها وجب عليك القيام بالتجارب الفيزيائية والكيمائية وتغيير بيئة الذرة. وإذا أردت معرفة نظرية الثورة ومناهجها وجب عليك الاشتراك في الثورة. لأن جميع المعارف الحقة انما تتولد عن التجربة المباشرة .

لهذا يستحيل تمثل الماركسية تماما إذا ظللنا مكتوفي الأيدي نتأمل العمل بدلا من أن نشارك فيه، بالرغم من أدعاء المفكرين البرجوازيين الصغار أنه لا يمكننا الحكم على قيمة الماركسية الا إذا ابتعدنا عن الحركة التي تتكون بواسطتها النظرية وتتحقق صحتها ويزداد غناها. والعمل الثوري وحده هو الذي يتيح لنا اكتشاف حقيقة المجتمع الرأسمالي لأنه وحده هو الذي يسعى لتحويل المجتمع وتغيير ظروف هذا المجتمع. والعمل الثوري وحده بحاجة إلى الحقيقة لأننا نسير إلى الفشل بدون النظرية. ولهذا تقوم النزعة المادية على الروح الحزبي. فهي تضطرنا إلى الأخذ بوجهة نظر فئة اجتماعية معينة للحكم على كل حركة .

هذه الفئة الاجتماعية في أيامنا هي البروليتاريا الثورية.

تُكتشف الحقائق من خلال التطبيق العملي وتتأكد الحقائق وتنمو. لأنه يجب علينا الانتقال من الاحساسات والتصورات الحسية إلى المعرفة العقلانية، ومن المعرفة العقلانية إلى الإرادة الفعالة للتطبيق العملي الثوري، وتحويل العالم الذاتي والموضوعي.

يؤدي التطبيق العملي إلى المعرفة ثم نعود إلى التطبيق ومن ثم إلى المعرفة. وتستمر هذه الحركة بصورة دورية. فيرتفع مضمون كل دورة للعمل والمعرفة، بالنسبة للدورة السابقة، إلى مستوى أرفع وأسمى .

من الخطأ إذن اعتبار الماركسية نظرية لا تمثل سوى المغزى "الذاتي" للتاريخ في نظر البروليتاريا (أي تأويلها الذاتي للحوادث) وليست علما من العلوم. والا لما كانت البروليتاريا بحاجة لتعليم الماركسية لأنها تمثل وجهة نظرها التلقائية، ولما وجب على من هم ليسوا من طبقة البروليتاريا أن يتعلموها لأنها لا تمثل وجهة نظرهم! ولكن الماركسية، على العكس، علم يحتاجه الجميع ويجب عليهم تعلمه.

وإذا كان المرء موضوعيا فلا يعني ذلك أن يرفض جميع النظريات، بل يعني ذلك الأخذ بنظرية تتفق وعمليات التطور الاجتماعي الموضوعية. ولا يمكن التحقق من صحة هذا الاتفاق الا بواسطة التطبيق العملي، وهذا التطبيق لا يخلق عملية التطور بل يساعد عليه، كما يمكن للعالم في مختبره أن يسعى للإسراع في سير عملية من العمليات وأن كان لا يمكنه أن يقضي على قانون العملية أو يبدعه.

ولهذا لا يجب علينا فقط أن نحارب اللاأدرية نظريا بل يجب القضاء عليها عمليا فنقيم الدليل، بواسطة العمل، على أنه يمكننا التأثير على العالم وأن الماركسية هي الحقيقة التاريخية.

مثال ذلك: بينما تقول اللاأدرية عن الحرب: على من تقع خطيئتها؟ لا يمكن معرفة ذلك. فأن عمل الشرفاء من الناس يؤدي بهم إلى اكتشاف مسببي الحرب. وهكذا تحققت البروليتاريا، بواسطة التجربة، من قيمة النزعة المادية الماركسية، ومن قيمتها في التنبؤ.

فرأت البروليتاريا أن الشيوعيين لا ذنب لهم إلا أنهم على حق. غير أن من يقول بالتنبؤ الصحيح يقول بالعلم الصحيح.

نرى إذن أن اللاأدرية تخدم مصالح البرجوازية الطبقية. وإذا لم يكن هناك علم اجتماعي لعجزنا عن التنبؤ والعمل ولنعمت البرجوازية بنوم هانىء! لأن اللاأدرية تؤدي بالمستغلين إلى العجز. أما إذا كانت المعرفة العلمية ممكنة فأن المضطهدين والمستغلين يمكنهم الأخذ بها للتوحيد بين التطبيق العلمي والنظرية وجعله منارا يهتدون به في نضالهم.

تولد النزعة المادية الجدلية أمام اللاأدرية، التي تثير الشك والتشاؤم ـ (وهي من صنع رجال تجاوزتهم الأحداث التي لا يفهمونها فكفروا بكل شيء وأصبحوا مستعدين للإيمان بأي شيء) ـ تفاؤلاً مقبولا وتسمح بأن ندرك أن الإنسان يمكنه أن يقود مجرى الحوادث. لأن النزعة توحي بثقة لا تحد في قوة الفكر والعمل.
وهكذا تتوضح حقيقة فرضية ماركس القائلة بأن الفلاسفة لم يقوموا إلا بتفسير العالم بطرق مختلفة بينما الواجب هو تحويل العالم .

                             
* * *


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق