72
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثاني : دراسة المادية
الفلسفية الماركسية
الدّرسُ الحَادي عشر :ميزة النّزعَة الماديّة الماركسيَّة الثالِثة
مَعرفة العَالَم ممكنة
2 ـ النظرية الماركسية
ب) – تَشويه الفِكرة الماركسيَّة عَن النَاحِيَة العَمَليَّة
لقد بلغ من أهمية فكرة الناحية العملية، بعد انتشار الشيوعية، أنه يستحيل أهمالها. ولهذا حاولت البرجوازية الرجعية تبنيها وتشويهها. لأنها أرادت أن تكون لها، هي أيضا، فلسفة تقوم على العمل. وهذه هي العقيدة التي تسمى بالبرجماتزم.
ظهرت فلسفة البرجماتزم في الولايات المتحدة الأميركية أيام الغزو الاستعماري وانتشرة في أوربا أنتشاراً كبيراً ولا سيما منذ الحرب العالمية الثانية. وليس من الصعب أن نرى أن البرجماتزم نوع فج من اللاأدرية، فهي تعتقد أن أساس الحقيقة ليس مطابقة الواقع وانعكاس الواقع الصحيح ومراقبته بل هي الفائدة. ولكن فائدة من؟ فائدة زيد أو عمر، فائدة البرجوازية أم البروليتاريا؟ إذ أن كل ما هو حقيقي مفيد ما عدا أولئك الذين هم بحاجة للكذب. ولقد أصبح الكذب أفيد للبرجوازية الرجعية والحقيقة وحدها يمكن أن تكون مفيدة للبروليتاريا. أما البرجماتزم فهي تعتقد أن الحقيقة ذاتية وليست موضوعية، فهي لا تعبأ بالحقيقة في ذاتها بل هي فلسفة أشد ضروب الجهل رجعية في الفلسفات المثالية.
تقول فلسفة البرجماتزم: "الدين موجود، وهو مفيد لبعض الناس، إذن هو حقيقي" فهي تعلق الحقيقة بفوائد الطبقة المسيطرة، لأن البرجماتزم فلسفة البرجوازية المتداعية التي تنكر العلم. فهي بهذا تتغنى بأمجاد المكيافيلية.
وهكذا تبرر مصلحة الدولة (كما يقول مكارتي) اغتيال آل روزنبرج. كما تصبح صحيحة أكثر الأشياء تعارضاً إذا كانت تلك مصلحة رأس المال. وهذا يؤدي بنا الى عبادة الفائدة القصوى.
تقول فلسفة البرجماتزم، بما أنها فلسفة تقوم على العمل، بالعمل الناجح مهما كانت المباديء، فهي تعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة، فهي بذلك فلسفة المقامرين الفاشيست حسب القول الذائع: "الحقيقة هي ما يفكر به موسوليني هذه اللحظة".
أما فيما يتعلق بالعلم فأن فلسفة البرجماتزم توحي بالتخلي عن النظرية وعن الفكر والتنبؤ. فهي تدعو إلى القيام "بالتجارب" مهما كانت، فإذا نجحت كان به وإلا فلا. وهكذا تسمح فلسفة البرجماتزم "بالتجارب" المجرمة. ولقد كانت هذه "النظرية" المجرمة زاد الأطباء النازيين الفكري وزملائهم اليابانيين الذين كانوا يجرون التجارب على السجناء، كما أنها اليوم زاد زملائهم الأميركان فيما يتعلق بحرب الجراثيم.
وينسب المفكرون البرجوازيون هذه الفلسفة إلى الماركسيين بينما يحاولون في نفس الوقت "تبرير" ما تقوم به طبقة البرجوازية. حتى يخيل لمن يسمعهم أن الماركسيين يهتمون "بالفعالية" قبل كل شيء فليس حقيقياً عندهم إلا ما يفيد أغراض طبقتهم. ويدعي بعض المفكرين نسبة نظرية "الكذب الحيوي"، التي قال بها هتلر، إلى الماركسيين.
وأما النظرية الماركسية فهي شيء آخر. فليست الفكرة صحيحة لأنها نافعة، بل هي، على عكس، مفيدة لأنها صحيحة، وهي بذلك فقط يمكن تطبيقها لأن التطبيق العملي، كما لاحظ ديكارت العقلاني، "يقضي" على الفكرة الخاطئة والمنهج الخاطئ.
ويمر الاستعمار الأميركي، كما مر هتلر، بنفس التجربة كل يوم. فليست الفكرة خاطئة لأنها فشلت، بل هي فشلت، على العكس، لأنها خاطئة موضوعياً.
أما أن تجعل من الكذب "المفيد" مساوياً للحقيقة فأن هذه خطة الانتهازي. ولا يمكن أن يدعو إلى مثل هذا المسلك إلا الوصوليون الذين لا مبدأ لهم والمقامرون الذين وَّلدهم عصر الانحطاط الاستعماري. لأن الماركسية لا تضحي قط بالحقيقة. إذ يعرف الماركسيون تحمل "الفشل" الظاهر العابر والأعلان عن الحقيقة العلمية في سبيل التطبيق العملي.
ولقد مر زمن هاجم فيه الشيوعيون لوحدهم في فرنسا مشروع مارشال على أنه ضد المصلحة الوطنية. أما فلسفة البرجماتزم فهي دائما من حيث تهب الريح لأنها لا تبحث إلا عن النجاح المباشر.
غير أن التطبيق العملي قد اتاح التحقق من المعطيات النظرية التي كانت تعتمد عليها مهاجمة مشروع مارشال، وإظهار الحقيقة أمام أعين الشعب، وتوضيح التقديرات المطابقة للواقع والتقديرات المعارضة لهذا الواقع. ولهذا كان التطبيق العملي معيار الحقيقة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق