66
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثاني : دراسة المادية
الفلسفية الماركسية
الدّرسُ العَاشِر: ميزَة النزعَة المادّية الماركسيَّة الثانية
المادة سَابقة عَلى الوَعي
4 – درَجَتَا المَعرفَة
تتيح أبحاث الفيزيولوجي بافلوف واكتشافاته أن نحدد بدقة الطريقة التي يتكون بها في الوعي انعكاس الواقع والكينونة أي تكون المعرفة.
لنضرب على ذلك مثلا بسيطا: كيف نعلم الطفل معنى الكلمات المستعملة؟ يجب اطلاعه عدة مرات متتالية على الشيء الذي تعنيه الكلمة، وفي نفس الوقت يذكر له الاسم ويُحمل على لفظه كلما كان ذلك ضروريا حتى يجمع من تلقاء نفسه بين الكلمة والشيء، يعرف كيف يستعمل الكلمة عند غياب الشيء أي بصورة تجريدية.
وهكذا أصبح معنى الكلمة بعد تمثله يمثل فكرة الشيء، وتتكون هذه الفكرة وهذا المفهوم على أساس الأحاسيس المتكررة وعلى أساس اللغة التي تشير إلى هذه الأحاسيس. هناك إذن درجتان للمعرفة: الإحساس المباشر، والفكرة المجردة (أو المفهوم) والاحساس بمفرده معرفة أقل كمالاً من الفكرة، فطالما لم ير الطفل الا البجعات البيضاء فسوف يعتقد أن البجعة طائر أبيض وهذا خطأ نوعا ما. اما عالم الحيوانات الذي يعرف البجعة بتعريفها العلمي فسوف يكوّن عنها فكرة أدق وأصدق وأكثر مطابقة لها.
وهكذا نرى أن الفكرة المجردة هي التي تعكس بدقة الواقع. ولكن هذه الفكرة العلمية عن البجعة لم تتكون الا على أساس حصر أنواع البجع التي توجد في الطبيعة أي على أساس الأحاسيس.
أما فيما يتعلق بالأشياء "المجردة" بذاتها كفكرة القرابة مثلا فأن الطفل لا يمكنه تلقيها الا بواسطة الاستعمال الاجتماعي الذي يتكرر غالبا.
ولنضرب على ذلك مثلاً أشد تعقيدأ. يرزح التاجر الصغير تحت عبء الضرائب الثقيل. كما تهدد البطالة عامل النسيج وكذلك يربح الموظف الصغير 20000 فرنك في الشهر.
لنفرض أن الأول يقرأ جريدة "الأورور". والثاني جريدة "فرانك تيرور". والثالث جريدة "الفيجارو". يجد كل منهم صدى لشقائه في جريدته، فمحرر الجريدة البرجوازي يتألم لمصير الفقراء المحزن.
تعكس هذه الجرائد الوضع إذن في مظاهره الحية ولا تتعدى ذلك. فهي تحذر جيداً من أن تشرحه وتفسره فتتهم إسراف الإدارة أو عدد المؤسسات الصغيرة أو عدد الفلاحين.
أما قارىء جريدة "الأومانيتي" أو قارىء تقرير وضعه موريس توريز، فلسوف يجد التفسير الذي يضع بيدنا مفتاح جميع أوجه الوضع، كتحليل أزمة الرأسمالية وتناقضاتها، وفكرة قانون الرأسمالية الأساسي الحالي الذي يعكس الواقع بعمق، والجري وراء الربح الأقصى.
وهكذا تنتقل المعرفة من الحسي إلى العقلاني في جميع الميادين. ويرى باركلي أن رؤيتنا للشمس مسطحة حمراء "دليل" على أنها لا توجد إلا في وعينا، أما الماركسية فهي ترى أن ذلك ليس سوى دليل على أن المعرفة الحسية غير كافية لأنها إذا كانت تصلنا بالواقع فانها لا تجعلنا نفهم ما هو الواقع.
ولقد علمتنا الجدلية أنه يجب علينا، كي نفهم ظاهرة ما، أن نربطها بظواهر أخرى هي أصلها، وأن ندرك تناقضاتها الداخلية. لأن العلم والمعرفة بواسطة الأفكار لا يجعلاننا نعرف فقط كيف تكون الشمس حقيقة بل لماذا نراها مسطحة حمراء. فالعلم يطلعنا على جوهر الظواهر.
تختلف المعرفة المنطقية عن المعرفة الحسية... وذلك لأن المعرفة الحسية تحيط بجوانب الظاهرة الخاصة وعلاقة الأشياء الخارجية، بينما المعرفة المنطقية تحيط بالأمور المشتركة بين الأشياء، فهي تحيط بمجمل الأشياء وجوهرها وعلاقتها الداخلية فتؤدي إلى اكتشاف التناقضات الداخلية في العالم الذي يحيط بنا، وتتمثل بذلك تطوره والعديد من علاقاته الداخلية .
والانتقال من الدرجة الأولى للمعرفة، وهي درجة الاحساسات والتأثرات والانفعالات، إلى الدرجة الثانية، وهي درجة المفاهيم، أنما هو مثال رائع على الجدلية لأن تجمع الاحساسات الكمي هو الذي يحدث الظاهرة النوعية الجديدة الا وهو "المفهوم".
الدرجة الأولى للمعرفة هي ما يسمى بالدرجة الانفعالية للمعرفة أي درجة الاحساسات والتأثرات.
ويؤدي استمرار الاستعمال الاجتماعي في تجربة الناس إلى تكرار الأشياء التي يدركونها بحواسهم والتي تؤثر فيهم. فيحدث في دماغ الإنسان قفزة في عملية المعرفة: إذ يظهر المفهوم. ويمثل المفهوم بطبيعته تمثل طبيعة الأشياء وما بينها من عناصر مشتركة وعلاقتها الداخلية.
وهناك اختلاف بين المفهوم والإحساس وهو ليس اختلافاً كمياً بل هو اختلاف نوعي أيضاً .
ويقول لينين: "المفاهيم هي أسمى ما ينتجه الدماغ، والدماغ نفسه أسمى ما تنتجه المادة .
فإذا كان هناك تناقض في أفكار الناس فذلك لأن هناك تناقضاً في الواقع الذي يعكسه تفكيرنا. وجدلية الأشياء تحدث جدلية الأفكار والعكس ليس صحيحا .
ولقد قال ماركس: ليست حركة الفكر سوى انعكاس لحركة الواقع بعد أن انتقلت إلى دماغ الإنسان .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق