64
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثاني : دراسة المادية
الفلسفية الماركسية
الدّرسُ العَاشِر: ميزَة النزعَة المادّية الماركسيَّة الثانية
المادة سَابقة عَلى الوَعي
2 – النظرية الماركسية
ب) – الوَعي انعِكاس للكَيْنُونة
ماذا تعني الفكرة القائلة بأن الوعي انعكاس للكينونة وللواقع الطبيعي والاجتماعي؟
يعني ذلك أن الثنائية قد زالت وأن الفكر لا يمكن فصله عن المادة المتحركة: فلا يوجد الوعي خارج المادة مستقلا عنها.
العالم المادي الذي ندركه بحواسنا والذي ننتمي إليه هو الواقع الوحيد .
غير أن ذلك لا يعني قط أن الفكر مادي كالمواد التي تفرزها أعضاؤنا. والاعتقاد بذلك أنما هو خطوة خاطئة نحو الخلط بين النزعة المادية والنزعة المثالية، وإقامة تماثل بين المادة والفكر وبين المادة والوعي. ويؤدي ذلك إلى الوقوع في النزعة المادية الساذجة.
لا تعني الفكرة القائلة بأن الوعي صورة من صور الكينونة قط أن الوعي، بطبيعته، هو من المادة أيضا... وتقول النزعة المادية عند ماركس أن الوعي والكينونة والفكرة والمادة أنما هما صورتان مختلفتان لظاهرة واحدة تحمل اسما عاما هو أسم الطبيعة أو المجتمع. فالواحد منهما إذن ليس نفيا للآخر ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهما لا يكونان نفس الظاهرة .
وكذلك لا تعني الفرضية الماركسية القائلة أن الوعي سلبي ولا عمل له أن الماركسيين "ينكرون عمل الوعي" الخ... لأن القول بذلك يؤدي إلى الخلط بين الماركسية وبين النظريات الخاطئة التي تقول بها فلسفة "الظاهرية المصاحبية" كما يؤدي إلى إتباع مزيفي الماركسية. فإذا كان الوعي لا عمل له فلماذا كتب ماركس هذا العدد الضخم من المؤلفات وأسس العالمية الأولى، واستخدم جميع الوسائل لنشر أفكاره؟
تعني الفرضية الماركسية أن لا مصدر لمضمون وعينا الا الخواص الموضوعية التي تبدو في الظروف الخارجية التي نعيش فيها والتي نشعر بها في أحاسيسنا.
فلا توجد تصوراتنا ولا توجد "انيتنا" الا بمقدار وجود الظروف الخارجية التي تولد انفعالات "انيتنا"... لأن الشيء القائم في الخارج سابق على الصورة التي نتصوره بها، وتتأخر هنا أيضا الصورة عن الشيء ومضمونه. فإذا ما نظرت ورأيت شجرة فهذا يعني ببساطة أن الشجرة موجودة قبل أن تنبعث صورة الشجرة في ذهني، وان هذه الشجرة هي التي ولدت فيَّ صورة الشجرة .
فالوعي هو انعكاس لحركة المادة في دماغ الإنسان.
وتعني الفرضية الماركسية أخيرا ان الوعي سواء من وجهة نظر تاريخ الطبيعة أو المجتمع أم من وجهة نظر تاريخ الفرد وشخصية كل منا أنما هو نتاج تطور تاريخي.
يسبق الوعيَ، وهو عبارة عما يجري في دماغنا، خلال تطور الطبيعة، تغيير مادي مماثل، وهو عبارة مما يجري خارجنا، وسوف يتبع هذا التغيير المادي تغيير فكري مماثل .
يسبق التطور الفكري من ناحية الوعي تطور للظروف الخارجية من الناحية المادية فتتغير أولا الظروف الخارجية التي تمثل الناحية المادية ثم يتغير الوعي الذي يمثل الناحية الفكرية .
يكوِّن هذا الأمر، الذي يمكن لكل إنسان أن يتأكد منه، البرهان التجريبي للنزعة المادية وتعلق الوعي بالنسبة للكينونة كما أنه يبرهن على أن الوعي لا يمكن أن يكون رأساً انعكاساً دقيقاً للواقع كالانعكاس الذي يحدث في المرآة بل هو انعكاس حي متحرك في تطور دائم.
ولا شك أن ذلك لا يبدو لنا لأول وهلة حينما نفكر: إذ يبدو أن الفكر يقوم بذاته بصورة رائعة. ويمكن أن نتخيل، كما كان يقول ديكارت، أنه يكفينا أن نفكر كي نوجد، وأن هذا التفكير لا يحتاج إلى الجسم كي يتم. ولهذا كان الفلاسفة المثاليون سعداء بتفكيرهم حتى أنهم مستعدون للاعتقاد بأن كل موجود أنما هو موجود بفضل تفكيرهم الحر. فهم يجهلون الجذور الطبيعية الاجتماعية للفكر ولذلك يعتقدون أن كل شيء يصدر عن هذا الفكر ولهذا يطأطئون رؤوسهم ساجدين أمام الفكر ويرددون مع بول فاليري:
"كل الكون يتهادى ويرتجف فوق جذعي".
وهذه محاولة خطرة عابثة ألا وهي الاعتقاد بأن الأفكار تقوم بذاتها وتتطور من نفسها، وأن الوعي عبارة عن إله داخلي جبار. وقد حارب هذا الوهم الفيلسوف المادي الكبير ديدرو، فهو يشبه عملية تكوين النزعة المثالية بأوهام البيان الذي يخيل إليه، وقد وهب الاحساس، أنه وحيد في عصره ويعتقد بأن كل "أنغام الكون" تجري في داخله .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق