44
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الأول : دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس السابع : ميزة الجدلية الرابعة نضال الأضداد (3)
5 – خلاصَة عَامّة عَن التَنَاقض
الجدلية هي دراسة التناقض في جوهر الأشياء نفسها .
ويلح لينين على أهمية هذا القانون الرابع العظيمة التي يعتبرها أسس الجدلية. ولهذا يصيب العجز عن فهم هذا القانون الاشتراكية في الصميم. وأشهر مثال على ذلك هو برودون. فلقد صنف ماركس، في "بيان الحزب الشيوعي" برودون ضمن الاشتراكية المحافظة أو البرجوازية.
إذ يسعى الاشتراكيون البرجوازيون لتأمين ظروف المجتمع الحديث بدون النضال من أجل ذلك وما يتبع ذلك النضال من أخطار لا مفر منها. فهم يريدون المجتمع الحالي من العناصر التي تبعث فيه الثورة وتؤدي إلى انحلاله، أي أنهم يريدون البرجوازية بدون البروليتاريا .
ويعتبر برودون وحدة الاضداد كوحدة بين الصالح والطالح. لهذا يريد أن يزيل الطالح ويحتفظ بالصالح، وهذا نكران للطابع الداخلي للتناقض: لأن التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا هو الذي يكون المجتمع الرأسمالي، ولا يمكن للاستغلال الرأسمالي أن يزول الا بزوال هذا التناقض. ولهذا كان التوفيق بين مصالح طبقات متناقضة في الاساس ضربا من الوهم. ويعرف ماركس برودون بقوله: كان يريد التحليق، كرجل علم، فوق البرجوازيين والبروليتاريين؛ وهو بهذا ليس سوى ذاك البرجوازي الصغير الذي يتنازعه كل من رأس المال والعمل .
يؤدي هذا الجهل للجدلية ببرودون إلى النزعة الاصلاحية، وإلى إنكار العمل الثوري أي النضال الطبقي. ولهذا لا نعجب من كتابه للإمبراطور نابوليون الثالث (في رسالة 18 أيار 1850):
"دعوت إلى التوفيق بين الطبقات رمز التوفيق بين العقائد" أو أن يكتب في كراسة ملاحظاته عام1847:
"يجب أن أحاول التفاهم مع جريدة (Le Moniteur lndustriel) وهي صحيفة الأسياد، بينما تصبح جريدة "الشعب" صحيفة العمال: كما يصرح بعد انقلاب بادنجيه.
"لويس نابوليون هو، كعمّه، دكتاتور ثوري، مع هذا الفارق وهو أن القنصل الأول ختم الطور الأول للثورة، بينما يفتتح الرئيس الطور الثاني".
ويحاول الزعماء الاشتراكيون كبلوم (مؤلف على "المستوى الإنساني" وجول موش في "موازناته" التي تحدثنا عنها في درس سابق) أن يرقعوا مذهب برودون بحجة احترام "القوانين العامة للتوازن والاستقرار".
وبهذا يفسرون لنا استسلامهم أمام البرجوازية وتصرفهم على أنهم "المشرفون الأمناء على الرأسمالية" ويعني "نضالهم" المزعوم على "جبهتين" وتكوينهم "القوة الثالثة" في زعمهم، الاستسلام ووضع البروليتاريا تحت رحمة البرجوازية. ولهذا كانت الاشتراكية الديمقراطية تعني الانتهازية على طول الخط، فوجب على البروليتاريا محاربتها بدون هوادة إذا أرادت قهر عدوها الطبقي.
واشتراكية ماركس وانجلز ولينين وستالين العلمية هي وحدها الاشتراكية الثورية لأنها تقدم نضال الاضداد على كل شيء، وذلك لأنه قانون أساسي للواقع. ولهذا تحارب بدون شفقة "نقيض" البروليتاريا الثورية الا وهي البرجوازية الرجعية كما تحارب زعماء الاشتراكية الديمقراطية الذين يحاولون اخفاء التناقضات ليقضوا على البروليتاريا وهي في خضم المعركة.
ومثال المناضل الجدلي الذي يعرف أفضيلة نضال الأضداد المجددة هو، في فرنسا، موريس توريز. فلقد كتب في "ابن الشعب" يذكر فترة تعليمه كزعيم ثوري، يقول: "استقر في ذهني فكرة رئيسية لماركس وهي أن الحركة الجدلية تدفع بالثورة ونقيضها في نضال مستمر، فتجعل الثورة نقيضها يستميت في محاربتها، كما أن نقيض الثورة يدفع بالثورة إلى التقدم ويضطرها إلى تأليف حزب ثوري لها ".
ولا تعيننا الجدلية فقط على فهم التناقض الرئيسي الذي يكونه النضال الطبقي (نضال البروليتاريا ضد البرجوازية)، ذلك النضال الذي سيولد الاشتراكية، بل هي تمد البروليتاريا بالوسيلة التي تمكنها من التعرف على القوى الهائلة التي يمكنها الاستعانة بها في محاربة البرجوازية. ذلك لأن ازدياد سياسة البرجوازية الرجعية يثير معارضة طبقة الفلاحين الكادحة والطبقات الوسطى والمثقفين الخ..
كل هذه التناقضات تكشف عنها الجدلية على يد موريس توريز الماهرة وهو صاحب نظرية الجبهة الشعبية لمقاومة البرجوازية الرجعية والجبهة القديمة لاستغلال البلاد.
ولا تبدو جميع التناقضات لأول وهلة. ولهذا يتخطى الجدلي الظاهر إلى الحقيقة ولا يستسلم لللجوج الذي يعيق الحركة وهو يريد زيادة سرعتها. كذاك المستخدم الصغير الذي يعطي صوته لحزب ديغول (.F.R.P) ويقرأ جريدة "الفجر"، ويقتات من الشيوعية". هل هو رجعي؟ يعني مثل هذا القول أننا لا نسبر غور الحقيقة، لأنه إذا كان هذا المستخدم يصوت مع حزب ديغول ويقرأ "الفجر" فذلك لأنه غير راض ويعتقد أنه يجد في حزب ديغول و "الفجر" حلفاء له. يعكس مسلكه اذن بصورة ذاتية التناقضات الموضوعية التي ذهب ضحيتها. ويهتم المناضل الذي يسيطر على النظرية بأن يساعد هذا البرجوازي الصغير المستاء على النظر الصحيح في نفسه، وعلى إدراك التناقضات الموضوعية الكافية في الرأسمالية والتي ذهب ضحيتها فيدرك، حينئذ، أن حل هذه التناقضات لا يمكن أن يأتي الا بواسطة النضال الذي تقوم به البروليتاريا بالتحالف مع جميع العمال، وليس بواسطة حزب ديغول وجريدة "الفجر" اللذين يستميتان في الدفاع عن حرية كبار الرأسماليين بأسم "حرية الصغار".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق