42
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الأول : دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس السابع : ميزة الجدلية الرابعة نضال الأضداد (3)
3 – التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي
سوف نرى بوضوح، بعد أن أدركنا قوة الصلة بين الخاص والعام، العلاقات بين التناقض الرئيسي وبين التناقضات الثانوية. وذلك لأن أية عملية ما ليست بسيطة قط لأنها تدين بوجودها الخاص إلى عدد كبير من الشروط الموضوعية التي تصلها بالمجموع. ينتج عن ذلك أن كل عملية هي محل سلسلة من التناقضات. ومن بين هذه التناقضات، تناقض رئيسي يوجد منذ بداية العملية حتى نهايتها ويحدد وجوده وتطوره طبيعة سير العملية. أما الاخريات فهي تناقضات ثانوية تتعلق بالتناقض الرئيسي.
فما هو، مثلا، التناقض الرئيسي في المجتمع الرأسمالي؟ لا شك أنه التناقض بين البروليتاريا وبين البرجوازية. طالما وجدت الرأسمالية طالما وجد معها هذا التناقض؛ وهو الذي يقرر، في نهاية الأمر، مصير الرأسمالية لأن إنتصار البروليتاريا يؤذن بزوال الرأسمالية.
ولكن إذا نظرنا للمجتمع الرأسمالي في تطوره التاريخي وجدنا فيه تناقضات أخرى ثانوية بالنسبة للتناقض الرئيسي. مثلا: التناقض بين البرجوازية السائدة وبين بقايا الاقطاعية الزائلة؛ والتناقض بين طبقة الفلاحين الكادحة (من صغار الملاكين، والخدم، والمأجورين) وبين البرجوازية، وكذلك التناقض بين البرجوازية والبرجوازية الصغرى والتناقض بين البرجوازية المحتكرة والبرجوازية غير المحتكرة، الخ...
وسائر التناقضات التي تنشأ وتنمو في تاريخ الرأسمالية نفسها. ولما كان هذا النمو يتم في الميدان العالمي، وجب اعتبار التناقضات بين مختلف البلاد الرأسمالية كالتناقض بين البرجوازية الاستعمارية والشعوب المستعمرة.
ولا تتراكم هذه التناقضات كل منها فوق الأخر، بل هي تتداخل وتتفاعل حسب قانون الجدلية الأولى. فما تأثير هذا التفاعل؟ تزداد أهمية تناقض ثانوي؛ في بعض الأحوال، فيصبح لفترة معينة، تناقضا رئيسيا بينما يصبح التناقض الرئيسي الأول ثانويا (ولا يعني هذا زوال تأثيره) فليست التناقضات، إذن متحجرة بل هي تتغير.
وهكذا يصبح التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا، في البلاد المستعمرة، ثانويا لفترة معينة، بالرغم من خطورته إذ ينحل بانتصار الاشتراكية في هذه البلاد. فيصبح التناقض بين الاستعمار المستعمِر وبين الأمة المستعمَرة (كطبقة العمال، والفلاحين والبرجوازية القومية التي تتحدد في جبهة قومية للنضال من أجل التحرر) رئيسيا.
ولا يقضي هذا على الوان النضال بين الطبقات داخل البلاد المستعمِرة. (لا سيما وأن فريقا من البرجوازية في البلاد المستعمِرة حليف للاستعمار المستعمر). غير أن التناقض الذي يجب حله أولا هو التناقض الذي يثيره الاستعمار ويحله النضال القومي من أجل الاستقلال.
يوضح لنا ستالين في كتابه: "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" بصورة رائعة مشكلة انتقال التناقضات بصدد المسألة الألمانية التي تهم شعبنا كثيراً .
فهو يذكرنا أولا بأن الرأسمالية تحتوي على تناقضات داخلية خاصة وهي تناقضات موضوعية تظل ما ظلت الرأسمالية. وتدفع هذه التناقضات البرجوازية إلى البحث، في الحرب الأستعمارية، عن حل لمصاعبها.
فينتج عن ذلك، بصورة حتمية، أن مختلف البلاد الرأسمالية بعضها لبعض عدو مبين.
ولهذا كان الاعتقاد، بأن سيطرة الرأسمالية الأميركية على سائر البلاد الرأسمالية يضع حدا للتناقضات الكامنة في الرأسمالية كرأسمالية، وهماً من الأوهام. وليس لأي ميثاق كميثاق الاطلنطيك أو أي تحالف عدائي ضد روسيا أن يقضيا على هذه التناقضات. ويظهر ستالين لنا كيف أن البرجوازية الانجليزية والبرجوازية الفرنسية لا تستطيعان احتمال سيطرة الرأسمالية الاميركية على الاقتصاد في كل من بلديهما إلى ما لا نهاية. وكذلك الحال في البلاد المغلوبة كالمانيا واليابان.
ويمكن لكل واحد منا أن يتحقق، اليوم، إلى أي حد كان ستالين صادقا في قوله.
فلقد ازدادت خطورة التناقضات بين البلاد الرأسمالية (ولا سيما بين الولايات المتحدة وبين بريطانيا العظمى) بصورة هائلة منذ الوقت الذي أصدر فيه ستالين حكمه. (شباط سنة 1952 ـ حتى أن فريقا من البرجوازية الانجليزية والفرنسية تفضل الأتفاق مع الاتحاد السوفياتي على القضاء عليه في حرب ضد الاتحاد السوفياتي تحت قيادة أميركة. وهكذا يمكننا فهم أهمية حكم ستالين.
"يقولون أن التناقضات بين الرأسمالية والاشتراكية أقوى من التناقضات الكائنة بين البلاد الراسمالية. وهذا صحيح من الناحية النظرية، ولا يصح هذا اليوم فقط بل كان هذا صحيحا قبل الحرب العالمية الثانية.
وهذا ما أدركه زعماء البلاد الرأسمالية ومع ذلك لم تبدأ الحرب العالمية الثانية بمحاربة الاتحاد السوفياتي. فلماذا؟ لأن الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في بلاد الاشتراكية، هي أولا، أخطر بالنسبة للرأسمالية من الحرب بين البلاد الرأسمالية، لأنه إذا كانت الحرب بين البلاد الرأسمالية تثير فقط مشكلة سيطرة بعض البلاد الرأسمالية على الأخرى، فأن الحرب ضد الاتحاد السوفياتي تثير بالضرورة مسألة وجود الرأسمالية نفسها. ولأنه، بالرغم من أن الرأسماليين يثيرون الضجيج حول نزعة الاتحاد السوفياتي العدائية، على سبيل "الدعاية"، فهم لا يؤمنون بهذا هم أنفسهم لأنهم يحسبون حساب سياسة الاتحاد السوفياتي السلمية، ويعرفون أن الاتحاد السوفياتي لن يهاجم البلاد الرأسمالية .
ويستعرض ستالين الحوادث السابقة على الحرب العالمية الأولى، إذ مهما كان عداء البلاد الرأسمالية نحو البلاد الاشتراكية، فأن ألمانيا الاستعمارية (التي جددتها البرجوازية الانجليزية والفرنسية أملا في أطلاق الجحافل الهتلرية ضد الاتحاد السوفياتي) قد وجهت أولى ضرباتها إلى المجموعة الرأسمالية المؤلفة من انجلترا وفرنسا وأميركا. حتى إذا ما أعلنت ألمانيا الهتلرية الحرب على الاتحاد السوفياتي، اضطرت هذه المجموعة، بدلا من أن تنضم إلى ألمانيا الهتلرية، إلى التحالف مع الاتحاد السوفياتي ضد ألمانيا الهتلرية .
نستخلص من ذلك أن نضال البلاد الرأسمالية من أجل امتلاك الأسواق، ورغبتها في القضاء على منافسيها كانا أقوى من التناقضات بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي .
يجب علينا أن ننتظر مثل هذا الانتقال بين التناقضات، فيصبح تناقض ثانوي، لفترة ما، التناقض الرئيسي وما يتبع من نتائج عملية وهما نتيجتان:
أ) تهدف اعادة تسليح الجيش الالماني (Wehrmacht) على يد القواد من مجرمي الحرب، بالاشتراك مع البرجوازية الفرنسية، إلى الاعتداء على الاتحاد السوفياتي. ولكن كما أن هتلر احتل باريس عام 1940 قبل أن يسير إلى موسكو، وكذلك يستعد مجرمو اورادور إلى احتلال بلادنا (فرنسا) وتخريبها، مرة أخرى، لحل مشاكلهم الاقتصادية.
وليس هناك من مجال للشك في سياسة اديناور، حامي النازيين وشريكهم، بهذا الصدد. وكذلك يجب فهم ايزنهاور حين يصرح بقوله: "من مصلحتنا، كما أن مهمتنا، اعداد الجيش الألماني ليهجم في الاتجاه الذي نراه، نحن الأميركيين، ضروريا". وأن فرنسا التي انهكتها الحرب في الهند الصينية وعبث بها الاستعمار الأميركي لفريسة أهون على البرجوازية الالمانية أن تلتهمها (بعد أن استعادت مكانتها بفضل البرجوازية الفرنسية ؟) من التهام الاتحاد السوفياتي القوي.
ب) تزداد أهمية التناقضات بين البلاد الرأسمالية بحيث يصبح من الصعب على الاستعمار الأميركي أن يفرض سلطته في هذه المأسدة. وما التأخر في الموافقة على اتفاقات بون ومعاهدة باريس الا مثال على ذلك.
ولما كانت الدبلوماسية السوفياتية تسيطر تماما على جدلية الأضداد فانها تستفيد إلى أقصى حد من التناقضات بين الرأسماليين (فيعمل الاتحاد السوفياتي على نمو تجارته مع انجلترا الرأسمالية). وهكذا يكون التعايش السلمي بين النظم المختلفة ثمرة نضال تقوم فيه التناقضات الداخلية للرأسمالية، وأن كانت ثانوية بالنسبة للتناقض الرئيسي بين الرأسمالية والاشتراكية، بدور مهم.
وإذا ما طبقنا هذه الطريقة في التحليل على فرنسا اليوم لظهرت لنا مجموعة معقدة جدا من التناقضات: كالتناقض بين البروليتاريا والبرجوازية؛ والتناقض بين البرجوازية الصغيرة (في المدن والقرى) والبرجوازية الكبيرة، والتناقض بين طوائف البرجوازية المتعادية؛ الخ.. كما أن هناك التناقض، في الميدان الخارجي، بين الاستعمار الفرنسي والشعوب المستعمرة التي يستغلها؛ والتناقض بين الاستعمار الفرنسي وسائر ضروب الاستعمار (كالاستعمار الأميركي والاستعمار الألماني الجديد).
كذلك التناقض بين الرأسمالية الفرنسية والاشتراكية.
فهل يمكننا أن نجعل جميع هذه التناقضات على مستوى واحد؟ كلا. لأننا إذا نظرنا إلى المجتمع الفرنسي المعاصر في مجموعه وجدنا أن التناقض الرئيسي هو النضال بين البروليتاريا والبرجوازية، ذلك النضال الذي يخترق تاريخ فرنسا ضد انتصار الثورة البرجوازية كخيط أحمر، وسوف تقرر خاتمة هذا النضال مستقبل البلاد بانتصار الاشتراكية. ولقد استعانت البرجوازية الرأسمالية بالاستعمار الأميركي لحمايتها. فتنكرت بذلك لمصالح الأمة. لأن سياستها الطبقية تجعلها تقف في وجه البروليتاريا الثورية ووجه سائر الطبقات، ومنها تلك الطائفة من البرجوازية التي لا تستفيد من سيطرة اميركا. ينتج عن ذلك أن ينمو التناقض الثانوي الذي نشأ عن التناقض الرئيسي (وهو وقوف الاستعمار الأميركي والبرجوازية ضد الأمة الفرنسية بقيادة الطبقة العاملة) ولقد ازدادت أهمية التناقض الثانوي حتى أصبح، لفترة ما، التناقض الرئيسي. ولهذا فأن المهمة الملقاة على عاتق الشيوعيين، حاليا، وهم طليعة الطبقة العاملة في الأمة، هي حل هذا التناقض برفع لواء الاستقلال القومي، الذي تدوسه البرجوازية المنحطة بارجلها، في جبهة قومية.
يتضح أن الحزب الثوري الذي لم يتسلح كفاية نظريا لا يمكنه أن يفهم الحركة المتبادلة بين التناقضات ويتنبأ بها. فيصبح عالة على الحوادث.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق