37
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الأول : دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس السادس : ميزة الجَدليّة الرّابعَة نضال الأضدَاد (2)
2- التعارض والتناقض
هناك سؤال يخطر ببالنا غالبا وهو "أنه لا وجود للرأسمالية بدون تناقض داخلي، لأن الرأسمالية نظام استغلال تتعارض فيه مصالح البرجوازية مع مصالح البروليتاريا بصورة دائمة. ولكن الا تقضي الاشتراكية على كل تناقض؟ " ويجب الإجابة على ذلك: "بأن الاشتراكية لا تخرج على قانون التناقض، وذلك لأنه طالما وجد المجتمع طالما وجدت التناقضات التي تكون هذا المجتمع".
ويقوم الوهم القائل بأن القضاء على الرأسمالية قضاء على التناقض أيضا على خطأ بين التناقض والتعارض. إذ أن التناقض ليس سوى حالة خاصة من حالات التعارض: فكل تناقض متعارض وليس كل تعارض متناقضا.
فهناك بعض التعارض بين كمية صغيرة جدا من الأرسنيك وبين الجسد، ولكن اذا ظلت كمية الأرسنيك ضعيفة لم يتطور التعارض إلى تناقض. فإذا ما زدنا هذه الكمية صار التعارض تناقضا مميتا للجسم. وكذلك يوجد نضال دائم بين الاضداد في المجتمع الرأسمالي وهما البرجوازية والبروليتاريا.
"حتى إذا ما بلغ ازدياد التعارض (بين هذه الطبقات) درجة معينة "اتخذ صورة تناقض ظاهر يتحول إلى ثورة ".
وليس التناقض سوى مرحلة من مراحل التعارض! وهو أخطر هذه المراحل. فالحرب بين الدول الاستعمارية هي أخطر مرحلة من مراحل النضال الدائم بينها. ولهذا يجب النظر إلى التعارض خلال جميع أطواره.
فلقد نتج التعارض بين الطبقات، مثلا، عن تقسيم العمل في المجتمع الاول البدائي؛ اذ كان في هذا المجتمع، في تلك المرحلة، اختلاف بين ألوان النشاط الاجتماعية (كالصيد البري، والصيد البحري، وتربية الحيوانات) ولقد تطور هذا الاختلاف إلى نضال حين نشأت عنه الطبقات الاجتماعية فأصبح تناقضا في فترة الثورة.
ماذا يحدث اذن عند حلول الاشتراكية؟ يزول التناقض بين الطبقات بفضل القضاء على البرجوازية المستغِلة. ومع ذلك تظل الخلافات قائمة، لفترة ما، بين طبقة العمال وطبقة الفلاحين، بين القرية والمدينة، وكذلك بين العمل اليدوي والعمل الفكري. وليست هذه الاختلافات تناقضات بل هي تعارضات يجب التغلب عليها لأن الإنسان، في المجتمع الشيوعي، يمكنه القيام بمختلف ألوان النشاط التي يتقاسمها اليوم أفراد مختلفون، ولان التعارض بين العمل اليدوي والعمل الفكري ينحل في وحدة أسمى. كما توفر الثقافة العلمية المتعددة الظروف لتحقيق هذه الوحدة التي تجعل من الفرد ممارسا وعالما في نفس الوقت.
وهكذا نرى نهاية التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا لا يعني نهاية التعارض ولهذا كتب لينين يقول منتقدا بوخارين:
"ليس التناقض والتعارض شيئا واحدا. إذ يزول الأول بينما يستمر الثاني في النظام الاشتراكي ".
إذ كيف يمكن أن يحدث التقدم بدون التناقض الذي يدفع للتقدم؟ وهكذا يفسر لنا ستالين في كتابه "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" أن انتقال الاشتراكية التدريجي إلى الشيوعية لا يمكن الا بعد حل التناقض الكائن (في المجتمع الاشتراكي) بين صورتين للملكية الاشتراكية: الملكية الكولخوزية، وهي ملكية اشتراكية، الملكية القومية (كالمصانع مثلا) وهي ملكية يمتلكها المجتمع بأكمله .
ومع ذلك لا تتطور التعارضات، في المجتمع الاشتراكي، إلى ضروب من النزاع والتناقض لأن مصالح أعضاء هذا المجتمع مترابط بعضها ببعض، ولأن هذا المجتمع يدير أموره حزب مسلح بعلم الماركسي وهو علم التعارض. وهكذا يتم حل التعارضات بدون نزاع أو ازمة. كما أن هذه التعارضات مفيدة لانها تعين المجتمع على التقدم.
وكذلك يكون استخدام النقد والنقد الذاتي في حياة السوفياتيين أروع مثال على تطور التعارضات بدون تناقض. ولقد صرح جورج مالنكوف في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي بقوله: يجب النضال ضد الوقائع السلبية من أجل تقدم قضيتنا، وأن نوجه اهتمام الحزب وجميع السوفياتيين نحو إزالة الاخطاء بواسطة العمل. ويقوم بهذا النقد ملايين العمال وهم اسياد بلادهم وكلما اتسع النقد في الأساس كلما تم ظهور القوى المبدعة كما تم ظهور طاقة شعبنا المبدعة، وكذلك ازداد تغلغل الشعور في الجماهير الشعبية بأنها سيدة في أوطانها .
ويسرد مالنكوف أمثلة على الاخطاء التي يجب اصلاحها بواسطة هذا النقد كتبذير المواد الاولية في بعض المصالح؛ واضاعة الوقت في بعض الكولخوزات، أو التقليل من شأن الحصار الرأسمالي، أو عدم الأشراف كافيا على المهمات الملقاة على عاتق بعض المنظمات أو بعض المناضلين.
ويقول مالنكوف أن مهمة الحزب الشيوعي هي إيجاد الظروف التي تساعد كل مواطن سوفياتي شريف على أن ينقد بجرأة وبدون خوف مظاهر النقص في عمل المنظمات والإدارات فيجب أن تصبح المجالس واجتماعات المناضلين والمحاضرات في جميع المنظمات منابر ضخمة لنقد وجود النقص نقدا جزئيا قويا .
هذا النقد مظهر من مظاهر النضال بين الاضداد لانه يتيح القضاء على الاخطاء والبقايا التي تعيق تقدم المجتمع الاشتراكي: وهو نقد أخوي يقوم به أناس لهم نفس المصالح.
وكذلك فان النضال بين الأفكار، داخل الحزب نفسه، هو التعبير عن النضال بين الأضداد. ويساعد هذا النقد الحزبي الماركسي اللينيني الستاليني على تحسين عمله بدون انقطاع، ولا يفضي هذا النضال إلى تناقض. فإذا ما افضى إلى التناقض فمعنى ذلك أن الحزب يناضل ضد أعدائه الذين يعملون لمصلحة البرجوازية كنضال الحزب الشيوعي (البولشفيكي) ضد تروتسكي وبوخارين وبيريا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق