38
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الأول : دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس السادس : ميزة الجَدليّة الرّابعَة نضال الأضدَاد (2)
3 – نضَال الأضْداد مُحَرك لِلفكْر
اذا كان قانون تعارض الاضداد يقوم بدور مهم في الطبيعة والمجتمع فانه من السهل التنبؤ بانه لما كان الانسان كائنا طبيعيا واجتماعيا فان فكره يخضع أيضا لقانون الاضداد. ولقد رأينا طابع الفكر الجدلي في الدرس الرابع. وليس هذا بمستغرب. فنحن ننظر إلى الفكر، كماديين، على أنه مرحلة من مراحل التطور العام؛ وهكذا تسيطر قوانين الجدلية على الفكر كما تسيطر على مجموع الواقع. كما أن جدلية الفكر، في جوهرها، من نفس طبيعة جدلية العالم؛ وقانونها الاساسي هو التناقض: ولهذا كتب لينين يقول: "المعرفة هي الوسيلة التي يقترب بها الفكر دائما من الموضوع. ويجب أن نفهم انعكاس الطبيعة في الفكر الإنساني ليس بصورة "ميتة" ولابصورة "مجردة" أو بدون حركة أو تناقض بل عن طريق عملية الحركة الدائمة وظهور التناقضات وحلها .
وهكذا يكون الانتقال الكيفي من الاحساس إلى المفهوم Concept (الذي تحدثنا عنه في الدرس الرابع) حركة تتم بواسطة التناقض فيعكس الاحساس جانبا محدودا من الواقع؛ وينكر المفهوم هذا الجانب الخاص ليؤكد شموله . فيتجاوز حدود الاحساس ليعبر عن الموضوع بأكمله. وهكذا المفهوم نفيا للإحساس (مثال: المفهوم العلمي عن النور كوحدة من الموجة والجسيم ينفي الإحساس بالنور، ذلك الاحساس الذي يكشف لنا عن وجود النور ولا يطلعنا على كنهه. ويؤثر المفهوم بدوره في الاحساس بعد أن تكوَّن بواسطة نفيه للاحساس (عن طريق النضال ضد هذا المستوى السفلي من المعرفة) فيمد الاحساس، بعد نفيه له، بالوسائل ليثبت وجوده بقوة جديدة لأننا ندرك جيدا ما فهمناه .
وتدلنا التجربة على أننا لا نستطيع فهم الاشياء المدركة مباشرة بواسطة حواسنا وأن الأشياء يمكن أن تدرك بالاحساس بعد فهمها بصورة أعمق .
وهكذا يكون كل من الاحساس والمفهوم والاحساس وحدة من ضدين متفاعلين، يؤكد كل منهما نفسه ضد الاخر بالرغم من أن كلا منهما يقوي الأخر (لأن الاحساس بحاجة للمفهوم لتوضيحه، كما أن المفهوم بحاجة للاحساس الذي يعتمد عليه).
فإذا ما نظرنا إلى مختلف الأطوار التي تكون المفهوم، الفينا فيها قانون الاضداد. وهكذا فأن التحليل والتركيب هما عمليتان ضروريتان في كل فكر، يعتبرهما الميتافيزيقي كل منهما معارض للأخرى.
وهما متعارضتان حقا ولكن تعارضهما هو تعارض عمليتين لا يمكن الفصل بينهما لأن كلا من التحليل والتركيب يقوم أحدهما على الأخر. لأن التحليل هو البحث عن أجزاء الكل؛ ولكن الاجزاء انما هي أجزاء من كل، فليس هناك "أجزاء في ذاتها" فالكل إذن كائن في الأجزاء؛ وهكذا يحدد كل من التركيب والتحليل الاخر وأن كان كل منهما عكس الاخر.
وكذلك الامر في النظرية والتطبيق فهما قوتان متضادتان متفاعلتان تفاعلا جدليا: تتداخل كل منهما في الاخرى وتبعث كل منهما الخصب في الثانية.
ولما كان الفكر جدليا، أمكنه فهم جدلية العالم (الطبيعة والمجتمع). فتنعكس ألوان التناقض في العالم الموضوعي، وإذا بحركة الفكر جدلية هي أيضا، شأنها كشأن جميع مظاهر الواقع.
وهكذا يغيب جوهر الواقع عن الفكر الذي يجهل التناقض، وان مجرد تعريف شيء ضئيل هو تعبير عن تناقض. فاذا قلت: "الوردة زهرة" جعلت من الوردة شيئا اخر غير نفسها فصنفتها في طائفة الازهار. وهذه بداية تفكير جدلي، لانني سوف أصل، عن طريق هذه الوردة، إلى الكون أجمع (وذلك لأننا نفهم أن كل شيء مرتبط بالاخر) ولسوف يكتفي الفكر غير الجدلي بالقول: "الوردة هي الوردة" وهذا لا يطلعنا على شيء من طبيعة صفات الوردة.
ومن المفيد، مع ذلك، التذكير، في بعض الاحيان، بأن الوردة هي وردة وليست عربة ذات مقاعد. وليس المنطق الاولي، غير الجدلي، الذي يعتمد على مبدأ التماثل ( أ هي أ وليست أ غير أ ) خاطئا. بل هو منطق جزئي يعبر عن المظهر المباشر السطحي للاشياء. فهو يقول: "الماء هو الماء"؛ و "البرجوازية هي البرجوازية" أما المنطق الجدلي فهو يدرك، وراء الظاهر الثابت، الحركة الداخلية والتناقض.
فهو يكتشف أن الماء يحمل في احشائه ألوان التناقض التي تفسر لنا الانتقال من الماء إلى الهيدروجين والاوكسجين. وكذلك يحدد المنطق الجدلي البرجوازية بمعارضتها للبروليتاريا كما يحددها في تعدد العناصر التي تكونها (فهو يقول: "البرجوازية هي البرجوازية كطبقة مماثلة لنفسها ولكن هناك برجوازية ضد القومية وبرجوازية قومية لهما مصالح متناقضة نوعا ما).
وبعد فأن منطق التماثل المسمى بالمنطق الشكلي أو منطق عدم التناقض ضروري وان كان غير كاف. والتنكر لهذا المنطق انما هو تنكر للواقع. مثال: كتب جول موش في موازناته: "يوجد في النظام الحالي طبقتان: هما الرأسمالية والبروليتاريا".
هذا قول لا معنى له. فإذا كانت البروليتاريا طبقة اجتماعية؛ فان الطبقة المناقضة للبروليتاريا هي طبقة البرجوازية وليست الرأسمالية، التي هي نظام اجتماعي. اذا أن المؤلف يضع في نفس الطائفة حقائق ليست من نفس النوع. فالطبقة الاجتماعية هي طبقة اجتماعية والنظام الاجتماعي هو نظام اجتماعي.
والخلط بينهما امتهان للمنطق الأولي الذي يقوم على تحديد الالفاظ التي نستعملها وبالتالي يكون هذا القول امتهانا للمنطق الجدلي الذي لا يسمح بمثل هذا الخلط، بل يعتبر التماثل مظهرا من مظاهر الواقع لا يمكن تجاهله بدون تزوير للواقع ولا يعارض التناقض الجدلي أي شيء آخر فهو يرى أن القط هو قط أولا وأن كان هذا لا يكفي لتحديد ماهية القط.
غير أن قول جول موش هذا مفيد لنا. فهو يدل على أن رفض الجدلية ونضال الاضداد يؤدي إلى رفض المنطق العادي. ولهذا يخاصم المزورون الرأي السليم بمعاداتهم للعلم لاسباب سياسية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق