إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 22 أبريل 2016

202 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثانى ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية


202


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثانى

ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية
 

كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفًا من عسكره على الموت لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام فبينما هو يتجهز للمسير قتل كرم الله وجهه وإذا أراد الله أمرًا فلا مرد له‏.‏

فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا عليًا وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية وكان قد نزل مسكن فوصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفًا وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة‏.‏

فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد في العسكر‏:‏ ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا‏.‏

فنفروا بسرادق الحسن فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطًا كان تحته فازداد لهم بغضًا ومنهم ذعرًا ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي

عم المختار بن أبي عبيد فقال له المختار وهو شاب‏:‏ هل لك في الغنى والشرف‏.‏

قال‏:‏ وما ذاك قال‏:‏ تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية‏.‏

فقال له عمه‏:‏ عليك لعنة الله‏!‏ أثب على ابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأوثقه بئس الرجل أنت‏!‏ فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطًا وقال له‏:‏ إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامعٌ مطيعٌ وعليك أن تفي لي به‏.‏

وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر‏:‏ إنني قد راسلت معاوية في الصلح‏.‏

فقال له الحسين‏:‏ أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك‏!‏ فقال له الحسن‏:‏ اسكت أنا أعلم بالأمر منك‏.‏

فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه‏:‏ أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك‏.‏

فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى ذلك معاوية وقال له‏:‏ قد أعطيتك ما كنت تطلب‏.‏

فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال‏:‏ يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاثٌ‏:‏ قتلكم أبي وطعنكم وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف وخراج دار ابجرد من فارسن وأن لا يشتم عليًا فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي فطلب أن لا يشتم وهو يسمع فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به أيضًا وأما خراج دار ابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا‏:‏ هو فيئنا لا نعطيه أحدًا وكان منعهم بأمر معاوية أيضًا‏.‏

وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة وقيل‏:‏ في ربيع الآخر وقيل‏:‏ في جمادى الأولى وقيل‏:‏ إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلام بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ألا وقد أصبحتم بين قتيلين‏:‏ قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفةٌ فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبى السيوف وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى‏.‏

فناداه الناس من كل جانب‏:‏ البقية البقية‏!‏ وأمضى الصلح‏.‏

ولما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال‏:‏ أيها الناس إنما نحن أمراؤكم

وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا‏.‏وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه‏.‏

فلما ساروا إلى معاوية في الصلح اصطلحا على ما ذكرناه وسلم إليه الحسن الأمر‏.‏

وكانت خلافة الحسن على قول من يقول‏:‏ إنه سلم الأمر في ربيع الأول خمسة أشهر ونحو نصف شهر وعلى قول من يقول‏:‏ في ربيع الآخر يكون ستة أشهر وشيئًا وعلى قول من يقول‏:‏ في جمادى الأولى يكون سبعة أشهر وشيئًا والله تعالى أعلم‏.‏

ولما اصطلحا وبايع الحسن معاوية دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس وكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته في اثني عشر ألفًا يأمره بالدخول في طاعة معاوية فقام قيس في الناس فقال‏:‏ أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ بل نختار الدخول في طاعة إمام ضلالة‏.‏

فبايعوا معاوية أيضًا‏.‏فانصرف قيس فيمن تبعه على ما نذكره‏.‏

ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه‏.‏

فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن يخطبهم‏.‏

فقام فحمد الله بديهةً ثم قال‏:‏ أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دولٌ وإن الله عز وجل قال لنبيه ‏ «‏وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حينٍ‏» ‏ ‏ «‏الأنبياء‏:‏ 111‏» ‏‏.‏

فلما قاله قال له معاوية‏:‏ اجلس وحقدها على عمرو وقال‏:‏ هذا من رأيك‏.‏

ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمهم وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة‏.‏

قيل للحسن‏:‏ ما حملك على ما فعلت فقال‏:‏ كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قومًا لا يثق بهم أحدٌ أبدًا إلا غلب ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أمورًا عظامًا فليت شعري لمن يصلحون بعدي وهي أسرع البلاد خرابًا‏!‏ ولما سار الحسن من الكوفة عرض له رجل فقال له‏:‏ يا مسود وجوه المسلمين‏!‏ فقال‏:‏ لا تعذلي فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره رجلًا فرجلًا فساءه ذلك فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏ «‏إنا أعطيناك الكوثر‏» ‏ ‏ «‏الكوثر ‏:‏ 1‏» ‏‏.‏ وهو نهر في الجنة و ‏ «‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏» ‏ ‏ «‏ القدر‏:‏ 1‏» ‏‏.‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏ «‏خيرٌ من ألف شهرٍ‏» ‏ ‏ «‏القدر‏:‏ 3‏» ‏ يملكها بعدك بنو أمية‏.‏




يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق