132
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الاول
ودخلت السنة الرابعة من الهجرة
في هذه السنة في صفر كانت غزوة الرجيع.
وكان سببها أن رهطًا من عضل والقارة قدموا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: إن فينا إسلامًا فابعث لنا نفرًا يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن.
فبعث معهم ستة نفر وأمر عليهم عاصم بن ثابت وقيل: مرثد بن أبي مرثد فلما كانوا بالهدأة غدروا واستصرخوا عليهم حيًا من هذيل يقال لهم بنو لحيان فبعثوا لهم مائة رجل فالتجأ المسلمون إلى جبل فاستنزلوهم وأعطوهم العهد فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر اللهم خبر نبيك عنا! وقاتلهم هو مرثد وخالد بن البكير ونزل إليهم ابن الدثنة وخبيب بن عدي ورجل آخر فأوثقوهم فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أتبعكم! فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة فباعوهما بمكة فأخذ خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد فأخذوه ليقتلوه بالحارث فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من بعضهن موسى يستحد بها للقتل فدب صبي لها فجلس على فخذ خبيب والموسى في يده فصاحت المرأة فقال خبيب: أتخشين أن أقتله إن الغدر ليس من شأننا.
فكانت المرأة تقول: ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب لقد رأيته وما بمكة ثمرة وإن في يده لقطفًا من عنب يأكله ما كان إلا رزقًا رزقه الله خبيبًا.
فلما خرجوا من الحرم بخبيب ليقتلوه قال: ردوني أصل ركعتين فتركوه فصلاهما فجرت سنة ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أيّ شيء كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا! ثم صلبوه.
وأما عاصم بن ثابت فإنهم أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد وكانت نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم لأنه قتل ابنيها بأحد فجاءت النحل فمنعته فقالوا: دعوه حتى يمسي فنأخذه.
فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا وكان عاهد الله أن لا يمس مشركًا ولا يمسه مشرك فمنعه الله في مماته كما منع في حياته.
وأما ابن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به مع غلامه نسطاس إلى التنعيم ليقتله بابنيه فقال نسطاس: أنشدك الله أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك قال: ما أحب أن محمدًا الآن مكانه الذي هو فيه شوكة تؤذيه وأنا جالسٌ في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يجب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا.
ثم قتله نسطاس.
خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة بعدها ياء تحتها نقطتان وآخره باء موحدة أيضًا.
والبكير بضم الباء الموحدة تصغير بكر.ولما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمرو ابن أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب قال عمرو: فخرجت أنا ومعي بعير لي وبرجل صاحب علةٌ فكنت أحمله على بعيري حتى جئنا بطن يأجج فعقلنا بعيرنا في الشعب وقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى أبي سفيان لنقتله فإن خشيت شيئًا فاحلق بالبعير فاركبه والحق برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبره الخبر عني.
وأوغل بالبلد يحث السياق.
فدخلنا مكة ومع يخنجر قد أعددته إن عاقني إنسان ضربته به فقال لي صاحبي: هل لك أن نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين فقلت: إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم وأنا أعرف بها.
فلم نزل حتى أتينا البيت فطفنا وصلينا ثم خرجنا فمررنا بمجلس لهم فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية! فثار أهل مكة إلينا وقالوا: ما جاء إلا لشر وكان فاتكًا متشيطنًا في الجاهلية فقلت لصاحبي: النجاء! هذا الذي كنت أحذر أما أبو سفيان فليس إليه سبيل فانج بنفسك.
فخرجنا نشتد حتى صعدنا الجبل فدخلنا غارًا فبتنا فيه ليلتنا ننتظر أن يسكن الطلب.
قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك التيمي يختل بفرس له فقام على باب الغار فخرجت إيه فضربته بالخنجر فصاح صيحةً أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني فوجدوه وبه رمق فقالوا: من ضربك قال: عمرو بن أمية ثم مات ولم يقدر يخبرهم بمكاني وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي فاحتلموه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا بخشبة خبيب وحوله حرس فصعدت خشبته واحتملته على ظهري فما مشيت به إلا نحو أربعين خطوة حتى نذروا بي فطرحته فاشتدوا في أثري فأخذت الطريق فأعيوا ورجعوا وانطلق صاحبي فركب البعير وأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره.
وأما خبيب فلم ير بعد ذلك وكأن الأرض ابتلعته.
قال: وسرت حتى دخلت غارًا بضجنان ومعي قوسي وأسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الدئل أعور طويل يسوق غنمًا فقال: من الرجل قلت: من بني الدئل فاضطجع معي ورفع عقيرته يتغنى ويقول: وست بمسلمٍ ما دمت حيًّا ولست أدين دين المسلمينا ثم نام فقتله ثم سرت فإذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرميت أحدهما بسهم فقتلته وأستأسرت الآخر فقدمت على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبرته الخبر فضحك ودعا لي بخير.
وفي هذه السنة تزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زينب بنت خزيمة أم المساكين من بني وولي المشركون الحج في هذه السنة.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق