( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 513
فقال الرشيد: لمن هذا، فقيل: لخالد بن يزيد الكاتب قال: علي به قال خالد: فأحضرت، فقال للجارية: أعيدي، فأعادت، فقال لي: لمن هذا. فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فبينا نحن كذلك إذ أقبلت وصيفة معها تفاحة عليها مكتوب بغإلية:
سرورك ألهاك عن مَوْعدِي فصيرتُ تفاحتي تَذْكُـرَه فأخذ الرشيد تفاحة آخرى وكتب عليها:
تقاضيت وعدي ولم أنسه فتفاحتي هذه معـذره ثم قال له: ياخالد، قل في هذا شيئاً، فقال:
تفأحة خرجت بالدرمن فيهـا أشْهى إليَ من الدنيا وما فيها
بيضاء في حمرة غلت بغالية كأنما قطفت من خَد مهديها جعفر البرمكي عند الأصمعي: حدث الجاحظ عمن أخبره عن أنس بن أبي شيخ، قال: ركب جعفر بن يحيى ذات يوم، وأمر خادماً له أن يحمل معه ألف دينار، وقال له: سأجعل طريقي على الأصمعي، فإذا حدثني فرأيتني ضحكت فأجعلها بين يديه، ونزل جعفر عند الأصمعي، فجعل الأصمعي يحدثه بكل أعجوبة ونادرة تطرب وتضحك، فلم يضحك.، وخرج من عنده، فقال له أنس بن أبي شيخ: رأيت منك عجبَاً، أمرت بألف دينار للأصمعي وقد حركك بكل مضحكة، وليس من عادتك أن ترد إلى بيت مالك ما قد خرج عنه، فقال له: ويحك إنه قد وصل إليه من أموالنا مائة ألف درهم قبل هذه المرة، فرأيت في داره حُبّاً مكسوراً وعليه دراعة خَلَق، ومقعداً وسخاً، وكل شيء رأيته عنده رثاً، وأنا أرى إن لسان النعمة أنطق من لسانه، وإن ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مدحه وهجائه، فعلى أي وجه أعطيه إذا كانت الصنيعة لم تظهر عنده ولم تنطق النعمة بالشكر عنه.
وفي الرشيد وجعفر بن يحيى يقول الشَاعر:
ليهن الرشيد خـلافـاتـه وأمر الذي قد وهى عقده
أضاف إلى بـيعة بـيعة فقام بها جعفـر وَحـده
بنو بَرْمَكٍ أَّسسوا ملـكـه وَشدوا لوارثه عـهْـدَهُ
مجلس عند يحيى بن خالد
وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الأراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسَّة والمباينة، والوجود والعدم، والجر والطفرة، والأجسأم والأعراض، والتعديل والتجريح ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال والكمية والكيفية، والمضاف، والإمامة أنصٌ هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأصول والفروع، فقولوا الآن في العشق عَلَى غير منازعة، وليورد كل واحد منكم ما سنح له فيه، وخطر إيراده بباله.
حديث لهم عن العشق
فقال علي بن هيثم وكان أماميَّ المذهب من المشهورين من متكلمي الشيعة: أيها الوزير، العشق ثمرة المشاكلة، وهو دليل تَمَازُج الروحين، وهومن بحر اللطافة، ورقة الصنيعة، وصفاء الجوهر وليس يحدُّ لسعته، والزيادة فيه نقصان من الجسد.
وقال أبو مالك الحضرمي، وهو خارجي المذهب وهم الشراة: أيها الوزير، العشق نَفْثُ السحر، وهو أخفى وأحر من الجمر، ولا يكون إلا بازدواج الطَّبْعَين، وامتزاج الشكلين، وله نفوذ في القلب كنفوذ صَيَب المُزْنِ في خلل الرمل وهو ملك على الخصال تنقاد له العقول، وتستكين له الأراء.
وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العَلاف، وكان معتزليّ المذهب وشيخ البصريين: أيها الوزير، العشق يَختم على النواظر، ويطبع على آلأفئدق، مرتقى في الأجساد، ومسرعة في الأكباد، وصاحبه متصرف الظنون، متغير الأوهام، لا يصفو له، ولا يسلم له موعود، تسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيع الموت، وبقية من حياض الثكل، غير إنه من أريحية تكون في الطبع، وطلاوة توجد في الشمائل، وصاحبه جَوَاد لا يُصْغِي إلى داعية المنع، ولا يسنح به نازعُ العذل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق