( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 501
موت الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني
وفي سنة تسع وثمانين ومائة وذلك في أيام الرشيد مات عليُّ بن حمزة الكسائي صاحب القراءات، ويكنى أبا الحسن، وكان قد شَخَصَ مع الرشيد إلى الري فمات بها، وكذلك مات محمد بن الحسن الشيباني القاضي، ويكنى أبا عبد اللّه، ودفن بالري وهو مع الرشيد، وتطير من وفاة محمد بن الحسن لرؤيا كان رأها في نومه.
يحيى بن خالد سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح
وفي هذه السنة كانت وفاة يحيى بن خالد بن بَرْمك.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة كان سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، فحدَّثَ يموت بن المزرع عن الرياشي، قال: سمعت الأصمعي يقول: كنت عند الرشيد، وأتى بعبد الملك بن صالح يَرْفُلُ في قيوده، فلما نظر إليه قال: هيه يا عبد الملك، كأني واللّه أنظر إليك وشؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلاً مهلاً بني هاشم، واللّه سَهُل لكم الوَعْر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزِمَّتَهَا، فخذوا حذركم مني قبل حلول داهية خَبُوط باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذا أتكلم أم توأما. فقال: توأماً، قال: فاتق الله يا أمير المؤمنين فيما وَلاّك وراقبه في رعاياك التي استرعاك، قد سهلت لك واللّه الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب.
ومقام ضَـيِّق فَـرَّجْـتـه بلسـان أو بـيان أوجَـدَلْ
لو يقوم الـذيلُ أو فَـيَّالـه زَلَّ عن مثل مقامي أوزَحل قال: فأرادا يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقام عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني إنك حَقُود، فقال: أصلح اللّه الوزير إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي إنهما لباقيان في قلبي، فالتَفَتَ الرشيد إلى الأصمعي، فقال: يا أصمعي حررها فواللّه ما احتجَّ أحد للحقد بمثل ما احتجّ به عبد الملك، ثم أمر به فردَّ إلى محبسه، ثم التفت إلى الأصمعي، فقال: واللهّ والله يا أصمعيُّ لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عنقه مراراً، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
أهديت للرشيد سمكة فمنعها عنه ابن يختيشوع الطبيب
حدث يوسف بن إبراهيم بن المهدي، قال: حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد، إنه كان واقفاً على رأس الرشيد بالحِيرَةِ وهو يتغدَّى إذ دخل عون العِبَادِيُّ، وكان صاحب الحيرة، وفي يده صحفة فيها سمكة منعوتة بالسمن فوضعها بين يديه ومعه محبس قد أتخذ لها، فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه جبريل بن بختيشوع، وأشار جبريل إلى صاحب المائدة أن يشيلها عن المائدة ويعزلها له، ففطن له الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده وخرج جبريل أمرني الرشيد باتباعه وإن أكبسه في منزله وهو يأكل فأرجع إليه بخبره، ففعلت ما أمرني به وأحسب إن أمري لم يَخْفَ على جبريل فيما تبينت من تحرزه، فإنه صار إلى موضع من دار عون، ودعا بالطعام فأحضر له، وفيه السمكة، فدعا بأقداح ثلاثة، فجعل في واحد منها قطعة من السمك وصب عليها خمراً من خمر طير ناباذ وهي قرية بين الكوفة والقادسية ذات كروم وأشجار ونخل ورياض تخرقها الأنهار من كل القاع من الفرات، شرابها موصوف بالجودة كوصف القطربلي فصبه على السمكة وقال: هذا أكل جبريل، وجعل في قدح آخر قطعة منها، وصَبَّ عليها ماء بثلج شديد البرودة، وقال: هذا أكل أمير المؤمنين أعزه اللّه إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القَدَح الثالث قطعة من السمكة وجعل قطعاً من اللحم من الوان مختلفة، من شواء ومن حلوى ومن بوارد ويقول، ومن سائر ما قدم إليه من الألوان، من كل واحد منها جزأ يسيراً مثل اللقمة، واللقمتين، وصَبَّ عليها ماء بثلج، وقال:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق